الجمعة، يونيو 04، 2010

نقوش على جدار القلب




القلب كأنه جدار مرتفع وطويل ، كأنه قطعة من الزجاج ، أو كالصفيحة الصقيلة التي تتسخ لأقل لمسة ـ أو تدنيس . يولد الإنسان وجدران قلبه غاية في الصفاء والبريق فيعيش به بهذه الصفة والنقاء فترة يسيرة من عمره ، مرحلة الطفولة والصبا إلى أن يبدأ قلبه في التوجه نحو مشرقه للخروج من بحور الظل التي كان يعيش فيها ، كما تشرق الشمس بصفحة صافية مشعة ضياء ، في يوم ملبد بالغيوم فتارة تأتي وتارة تذهب وهي بينها تتجلى مرة وتتوارى في الغيوم مرة أخرى . وهكذا القلب عندما يتدرج الإنسان في عمره فهو يتجه إلى ساحة معترك الحياة ويخرج إلى سماء ملبدة بغيوم الأحداث وترهات الزمن ، فتأخذ تلك الصفحة في التغير شيئاً فشيئاً وتذهب نضارتها ويتعكر صفاؤها وتعتم صفحاته الناصعة حيث تتوالى عليها الأحداث وتعبث في بريقها ، فتتكون تلك احداث كأنها نقوش على ذلك الجدار يسير الناس على جانبيه ومن يمر بقربه لا بد أن يلمسه ويترك عليه بصمته ، فتبقى نقشاً على صفحته الناصعة الجميلة ، ومنهم من يرتكز عليه ، ومنهم من يستند إليه ويسير مستعيناً به حتى ينفذ من الطرف الآخر ، فتكون بصمته على امتداده بقعة سوداء تشوه نضارته وتزيل بريقه ، وكل من اقترب منه نقش عليه بصمة أو رسمة ، أو كتابات وخربشات لا تعد اللعب والعبث ، فتبقى تلك النقوش حية بحياة من نقشها وهو يجددها وإذا تخلى عن تجديدها تبدأ في التضاؤل والبهوت حتى تضعف ثم تنطبع على على جدار القلب كنقش قديم ولم يختفي تماماً ، وتبقى آثاره تشوه تلك الصفحة الناصعة مدى الحياة ، ومصدر آلام وأحزان ومتاعب للإنسان ، وذكريات إما جميلة أو حزينة . ومن يحب لأول مرة فإن الحب يدخل إلى القلب وهو واحة خضراء جميلة مقصورة على تغريد الأطيار ، وانسياب الأنهار ، وتفتح الأزهار التي تترنح مع النسمة وهبوب الرياح . ليس فيها داع ولا مجيب بينما هي ليست صحراء قاحلة ولا أرض مقفرة ، ولا عروش خاوية ، ففيها السعد والسرور والراحة والاطمئنان والسلا وروح صبية بريئة ندية ، تكاد تقلع من جذلها إلى عنان السماء ، حتى يأتي الشخص الموعود فيكسر أقفالها ويكتسح جناتها فيلتقي مع رباها على أمر قد قدر ، فيصبح صاحب السهم المعلى ويحظى منها بما تمنى ، فيوقع كلمة الحب على جدار القلب وينقشه نقشاً محكما يثبت على صفحته إلى الأبد ، لا يحول ولا يزول ، فيعيش ما شاء بين تلك الخمائل والربى ، يأسر القلب ويصفده بسلاسل الحب والغرام . فيمكث فيه فإن كتب له أن يتوج ذلك الحب بتاج قد كتب عليه كلمة ( القداسة ) ويعزز تلك الجنة ويربيها ويسقيها . وإن كان غير ذلك فإنه سيغادرها باي طريقة للمغادرة ، فإما أن تكون مغادرته نكراناً وجحوداً وخيانة وظلماً فإنه سيترك خلفه دماراً شاملاً وعدواناً سافراً ، ويحطم تلك الجنائن ، يقطف أزهارها ليس ليشتمها ويضمها ويستنشق عبيرها ، بل ليرميها على الأرض ثم يدوسها بقدميه فيحطمها ويفسدها فينتشر شذاها في ارجاء النفس برائحة الدم وآثار الغدر والخيانة ، فيخرج مذؤماً مأثوماً . أما إذا كان خروجه خارجاً عن إرادته أو رغماً عنه فإنه سيترك أيضاً نقوشه على تلك الأبنية والجدر ولكنها نقوش جميلة كريمة ، وإن كان فيها بهوت الحزن والأسى ولكنها تبقى ذكرى جميلة . لم يقطف الأزهار ليدوسها تحت قدميه ، بل يشمها وهي واقفة شامخة على أغصان أشجارها .إلا أنها تعاني الذبول والعطش إذا لم يعد نهر الحب يجري تحتها ويتدفق ليرويها ، وتبقى الذكرى جميلة والحنين لها يحطم الضلوع ويهدم الكيان . ومن هنا يكون القلب مرهف الحس هائماً مشتتاً حائراً يبحث عما فقده في لحظة في خارج الحسبان ...

ردود الأفعال:

0 التعليقات:

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More