الثلاثاء، ديسمبر 28، 2010

شمس لا تغيب: لعينيكِ ( أرجوحة القدر )

شمس لا تغيب: لعينيكِ ( أرجوحة القدر ): "كالطائر المحلق في السماء كانت الروح ، تتنقل هنا وهناك ، تعلو تارة وتنخفض تارة أخرى ، تتوارى في الغيوم أحياناً ، وتتجلى في زرقة السماء لحظ..."

الجمعة، ديسمبر 24، 2010

براءة بعمق السماء


الثلاثاء، ديسمبر 21، 2010

النجاح عقيدة


النجاح عقيدة
لا تستسلم .. لا تستمع إلى الأصوات من حولك .. لا تلتفت إلى الوراء أثناء سيرك قُدُماً .. لا تكن عاطفياً حتى الانثناء والتراجع عن القرارات الصائبة .. كن قوياً .. ارسم النجاح قبل أن تبدأ .. حدد اتجاهاتك .. ونظم مساراتك .. وارسم الطريق الذي يجب أن تسير عليه كي تضمن النجاح والوصول إلى مبتغاك ..

أنت محاط بمجتمع مختلف الأفكار والثقافات ، والتوجهات ، متعدد الاتجاهات .. مؤيد .. معارض .. محايد .. حاسد .. حاقد .. متملق .. مراءٍ .. منافق ذو وجهين ..
مخلص .. محب .. ناصح أمين .. صادق الود نقي السريرة .. سليم الطوية .. ولكن هذا الصنف نادر جداً بل يكاد لا يوجد مطلقاً .. فتبقى الغثاء والرعاع والزبد الذي لا يلبث أن يذهب جفاء .. وقد ندر أيضاً من يحب لك ما يحب لنفسه ..

عندما تكون متميزاً وناجحاً ، مثابراً ، في سعيك وعملك .. للوصول إلى هدفك الذي جعلته نصب عينيك ، ووقفت على ناصية الجادة وتطلعت بكل ثقة نحو آفاقه ، بعد موجة إيمانية بقضيتك وعقدت العزم على الوصول إلى هدفك ..
هنا ستسمع الضجيج ، والجلبة من حولك ، وهمهمة ودمدمة المجتمع الذي تعيش فيه ، وأطراف البيئة التي تقلك .. في ضجيج عارم وفوضى صاخبة تقتحم تفكيرك معكرة أفكارك ، عندما يحتدم لغطها وفاسدها وغثاؤها .. والغث من الهرج والمرج ، فيستقر في عقلك ، ويدوي صداه في أعماقك ، يتلاعب بأطراف مشاعرك ، ويلامس خيوط أحاسيسك ، وصقيل وعيك وإدراكك .. ويستقر منها ما هو قريب مما يدور في خلدك ، ويتموج في عقلك ، ويسيطر على تفكيرك ، ويتذبذب إليه إيمانك بقضيتك ، فإذا سمحت لتلك الضوضاء والفوضى فقد تسيطر وتطغى فتثبطك ، وتثنيك ، وإذا ما اصخت بسمعك إليها ورفعت إليها ليتاً ، وخفضت ليتاً ، وأعرتها اهتمامك ، وغلَّبتها على معتقدك وإيمانك ، فستتعثر خطوتك وأنت لا زلت في بداية طريقك لم تخطُ خطوة واحدة فولدت أمنياتك ميتة ، لأنك استسلمت لها ، وسلمت بالأمر وتنازلت عن ثوابتك وقناعاتك ، وكفرت بإيمانك بها ، وهززت معتقدك بعدالة قضيتك وجدواها ، عندما التفت إلى الوراء ورأيت الناس من خلفك ، وانصعت للغط واندمجت في الضوضاء وسمحت للغث منها بالولوج إلى ذاكرتك ، وفسحت لها الطريق إلى فكرك ، وعمقت المشهد الضخم الذي رأيته خلفك وكبرت الصورة التي بدا فيها ، وهِبْتَ من ذلك الجمع الهائل والتكتل المرعب ، واعتقدت أنك قد أخطأت الجادة وجانبك الصواب ، وشعرت بأنك تسير وحدك ، بل تجد أنك في سباق مع ذلك الخضم الهائل ، وتارة تجد نفسك هارباً ولكنك متردد ومتذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى صوت العقل المدوي في أعماقك ، فخارت قواك ، ووقعت أرضاً لأنك أزلت العقيدة من فكرك ، وهدمت القواعد والثوابت والأسس عندما استمعت وترددت وبسرعة هائلة راجعت قراراتك وقررتَ جدلاً رغم بقايا الإيمان في أعماقك ..

لم تتبين الجمع من خلفك ولم تتصورهم على حقيقتهم لأنك في عجلة من أمرك وفي شك منه ، ولو تفكرت وتأملت قليلاً قبل اتخاذ القرار المعاكس ، ولم تغب عنك حقيقتهم ومسلمات كان من واجبك التنبه لها ، ومعرفتها كي تتغلب عليها وتكسر حاجز الخوف الذي زرعه ذلك التكتل والوساوس التي قذفوها في داخلك ، وتتحرر من من القيد الذي لفوه حول قدميك وأنت لازلت في بداية طريقك ..
ولكنك لم تفعل وقدمت الجانب العاطفي والتوجهات الفكرية القديمة والمغايرة لتوجهاتك الحديثة ، والعصرية ، ولو لم تصدق خزعبلات العادات والتقاليد المجحفة القديمة والعقيمة ، والأفكار الساذجة ، والمصنعة كي تتناسب مع الحدث وتشوش أحداثك ، ولكي تبلغ الهدف منها ، وهي في حقيقتها عادات قديمة ، وتقاليد عقيمة ، مغلقة الدائرة ، محدودة التوجهات ، آحادية الأفكار ذات قطب واحد سلبي ، تقاليد قد أثيرت عمداً ولم تعد صالحة للزمان والمكان ، فقد أكل الدهر عليها وشرب ، وأصبحت من الماضي السحيق ، وما أثيرت في هذا الوقت إلا لأنك هدف ، ومستقبلك مستهدف ببواعث الحسد والغيرة ، فاستُخدمتْ تلك الآثار مطية للوصول إلى عقلك ، كي يتحطم على بلاطها حلمك ويأفل في دجاها أملك ، ويتهادى في براثنها معتقدك وصرحك ، فوصلت تلك النعرات والضوضاء إلى هدفها الأسود المنشود وهو ثنيك عن قرارك ، وحرمانك من تطلعاتك ، بدافع الغيرة والحسد ، فانحرفت وتراجعت القهقري .. واستسلمتَ .

ففشلت لأنك التفت إلى الوراء وأعرت تلك الانتقادات اهتمامك ، وأصغيت إليها بكل حسك ومشاعرك ، فولج إلى داخلك وهم العادات ومخاوف العواقب ، فعدت من جديد ووضعت قدميك في القيد بعد التحرر واستنشاق نسمة الأمل فنكصت على عقبيك رغم سلامة موقفك ووضوح طريقك وعدالة قضيتك .

لأن النفوس السوداء والقلوب الضيقة ، والأفكار المحدودة تغلبت على السرائر البيضاء السليمة التي تاهت وضاعت في زحام اللغط والضوضاء ، وبين الأجساد المغرضة ومعمعة النفوس الحاسدة الحاقدة ووقع أقدام المخذلين - وما أكثرهم - وما أقل المحبين الناصحين المتحررين من قيود الماضي والتزمت والجهل الفكري المتخلف الذي لم يعد له مكان في عصرنا .
فكان المحبون في مؤخرة الجموع عندما التفت إلى الوراء فلم تراهم ولم تسمع لأصواتهم المطمئنة ليتعزز ويقوى إيمانك وتدفع بك صيحاتهم المحبة على طريقك المرسوم قبلاً ولم تصل أصواتهم إلى سمعك فتعمق إيمانك ، وتبعث الأنس والطمأنينة في جوفك .
ولأنك لم تؤمن وتجزم بسلامة توجهك ، وحقيقة قضيتك ، ووضوح هدفك ولهذا تخليت عن ثوابتك لدى أقرب صوت عاذل ، وتقاعست وخارت قواك ودبت برودة الخوف والخجل في جسدك كما يدب الذر على جذع يابس ، وجلست على قارعة الطريق تصارع الأفكار واللوائم التي تقرعك في أعماقك .
ولو أنك تجاهلت تلك الأصوات والدعوات ، والنعرات ، وأغلقت أذنيك عن كل ذلك ، واستمعت إلى صوت المنطق في عقلك وفكرك لنجحت ووصلت إلى هدفك وحققت مرادك وأدركت مبتغاك .
فتحقيق الأهداف إيمان وعقيدة .

الجمعة، ديسمبر 17، 2010

هنا كنتُ .. وهنا سأظل

 
سأبقى هنا في هذه الساحات ..
على كل شبر هنا سأضع قدمي ..
وأضع رحلي ، وأبسط فراشي .. بل سأفترش الأرض
سأتدثر بالثرى ، وسأكتسي بالأغصان ، وأتوارى في
ظلال الأشجار ، سأغسل وجهي وجسدي من نهركِ الجاري
في ساقية حياتي ونفسي ، وسأستنشق رائحة ضبابكِ ،
وأرشف رذاذ غيومكِ ، وسأحلق في عنان السماء تبعاً لروحكِ .

هنا .. سأكتبُ أشعاري ، وأنمق ألحاني ، وأنظم أوتار عودي لتتناغم
مع مسيرة وألحان الحدث ، سأنصتُ للطير وهو يغرد وسأبحر في صدى
صوته ، وسأسافر مع ألحانه في خمائل نفسكِ ، وجمال روحكِ .

سأغادر وقد أغيب ولكن سأعود ..  وسأظل هنا في انتظاركِ مهما
توالت الأيام ، وتتابعت الأحداث ، وادلهمت الخطوب والنوائب ..
يتأرجح قلبي ، ثم يذهب ، ويبتعد ، ويتوارى في حجب الطبيعة ، وأحداث
القدر ، وقساوة الأيام ، ثم يعود هنا .. يعودُ إليكِ ، بل كلما غادر وغاب
ورحل فهو يبحث عنكِ ، يناجيكِ ، يدون ويكتب خواطره فيكِ .. أنت ملهمته
أنت مداده ..  أنت السطور التي يملأها بذكراه ويذرف عليها دموعه ..
أنتِ الورقة البيضاء التي يدون عليها أجمل وأعذب كلماته ، وأروع ذكرياته

هنا كنتُ .. وهنا سأظل .. وكلما تهتُ وأضعتكِ سأعود هنا لعلي أجدكِ ..
وإن لم أجدكِ فسأجدُ صداكِ ، وآثاركِ ، وسأبقى بجانبها أتعزى بها
وأشم رائحتكِ من خلالها ..
هنا كنتُ .. وهنا سأظل .
مع أطيب أمنياتي وتحياتي
 

الخميس، ديسمبر 09، 2010

قمر يسير وآخر يسري


رغم مرور السنين ، وتداول الأيام ، وذهاب ساعات الوصال ، وذبول مواعيد اللقاء ، وأفول شمس
أيام التلاقي ، وتلاشي الضباب الذي كان يحجب عنا الأنظار ، ويزين قمم الجبال ، ويرصع الأزهار بقطراته
الندية ، ويبلل الأغصان برذاذه ، وينشر في الطبيعة رائحته الزكية ، العابقة بالغيث والمطر ، تارة يعلو إلى القمم وتارة أخرى يسح بين دفتي الوادي العميق ، تدفعه نسمات الشتاء الباردة ، التي تلامس الأغصان وتداعبها فتتحرك كأنما هي ترقص على نغمات أصوات الطيور ، وتتراقص بشجى ألحانها الشجية .
رغم مرور عقدين ونيف من الزمن ورغم التقدم في العمر ، بمقدار تلك العقود التي خلت ، ورغم كل شيء بدد معالم الحب ، ومسح خطوطه وهتك حدوده ، واقتحم جوانب الأمن والأمان في مملكته ، وصرع كيان دولته وأطاح بعرشه ، وسجَّر بحار كلماته ، وجفف منابع عباراته ، ورغم القساوة في التخلي ، والجور في الترك ، والإجحاف في البعاد والإسراف في التجني ..
رغم كل هذا وذاك ، ورغم كل شي إلا إن الحب لم ينتهِ ، وجرحه الغائر إلى أعماق الصميم ، لم يندمل ، ولازال حياً يسري في العروق ، وينبعث مع الروح ، ويتخلل الجلد ويسكن الجسد ، مختبئ في كهوف بقايا مملكته ، متغلغل تحت أنقاضها ، متمسك بحروفها وعباراتها ، مستميت في ذكراها ، غارق في ذكرياتها ..
إنه حب فريد ، ومعركة بين النفس والروح والجسد ، وأطراف ممالك الهوى وحدود دولة العشق ، وساحات جنات الحب ، لإنه صراع أبدي تدور رحاه في عمق نفس بشرية وقع عليها من أهوال الغرام مالم يقع على غيرها فاحتملت قضاياه ، واحتكمت بأكامه وانصاعت لأوامره ، وتحدت كل البشر وضربت بالعواذل صلابة الجدران وأغرقت كل الحاسدين في أعماق الوفاء والصدق والإخلاص ..
لم تزل تلك اللحظات تتكرر أمام ناظري ، وتنبعث في أعماقي رغم السنين ، وصلافة الأيام ، كأنها الآن ، لم تغب عن ذاكرتي ولا تخلو منها مذكراتي ، وكيف تغفو عنها ذاكرتي وتتجاهلها ذكرياتي ، وهي الهواء الذي في الرئتين ، والدم الذي في العروق ، والنبض الذي في القلب ، ؟!
كيف تسهو عنها ذاكرتي عندما خرج ذلك البدر من خدره في ليلة قمراء فارتُجَّ علي ودخلت في عالم من الحيرة تارة أنظر إلى السماء فأرى بدراً يسري ثم أنظر إلى الأرض فأرى قمراً يسير ، يا للروعة والجمال ، إنها آيتين كل منهما محت الأخرى ، فقدرة الله في السماء محت آية تسير على الأرض ، وقدرته في الأرض محت آية تسري في السماء وكلها من صنعه وقدرته ، فانشغلت النفس بين الآيتين تشبه هذه بتلك وتلك بهذه ، وكل منهما تغار من الأخرى ولكن التي تسير جمحت أنوارها واكتسحت معالمي وعالمي فأطرقت إلى الأرض خضوعاً لتلك الآية التي تسير وتجاهلت التي تسري ، فلا أنظر إليها إلا عندما أريد أن أستعيد تلك اللحظات بين الصلاتين على أطراف المدينة . ( نعم أطراف المدينة ) .

حب سكن واستحكم ولكن .. هنا تقع سنن الحياة في الحب ، وكأنه مقدر على العاشقين ألا يجتمعوا إلى الأبد ومنذُ الأزل ، كأنما كتب عليهم العذاب بالهوى ، وتبادل القلوب ثم تعذيبها بين أطراف الجوانح ، وقضبان الحنايا ، والتعذب بلظى نارها والاكتواء بلهيب هواها ، والتقلب على جمر الذكريات ، والانطواء في عالم الذكرى .
لله درك يا ابن الملوح حينما قلت : وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كل الظن ألا تلاقيا .. ولكن ظنهما يا سيدي العاشق لم يتحقق ومقدر عليه أن يذهب سدى ، ويؤمنان بألا تلاقيا مطلقاً .
ولله درك حينما قلت قضاها لغيري وابتلاني بحبها .. فهلا بشي ء غير ليلى ابتلانيا ؟!
وهكذا نحن نشاركك الابتلاء ، ونقع في حب ما ليس لنا ، فقد قضي ما كنا نأمل أن يكون لنا لغيرنا ، ولم يبق لنا سوى العشق ، والوقوف على بلاط الوفاء ، والانزواء مع الذكريات ، والتقلب على كوابيس الحنين وجمر البعاد وخيبة الحب .
وراحت السنين وتمادت ، وتكدست الأعوام وتتالت ، حتى انطوى الحب واضمحل ، ونحل ، وكبر ولم يشيخ ، ولكنه سكن في النفس ، وتغلغل في الأعماق ، وتدثر بالجلد ، وتلبس بالجسد ، وغاب القمر الذي يسير ، واختفى إلى الأبد ، ولم يزل حبه حاضراً في مملكته يغرد على أطلالها ، ويترنم حنيناً على عرشها ، وقد باتت علامات الذقن في وسط الكف كأنما نقشت على حجر الصوان ..
وذهب الحبيب وبقي الحب ، ولكن ياترى هل بقي لنا عنده ما بقي له عندنا ؟!
الله أعلم .. وهنا تتجسد الخيبة في الحب عندما نسأل أنفسنا ولا نجد في أعماقها إجابة
وعندما نسأل القلب فلا نجد فيه حياة تمكنه من الإجابة ، وعندما نتساءل مع النسائم
فلا نرى ولا نسمع سوى طيراً تحمل الحزن على أجنحتها .

الاثنين، ديسمبر 06، 2010

تضحية بلا قيود


نحب ونهوى ، ونعشق ونغرم بشخص ما ، تقع عليه نظرتنا الأولى والقلب كورقة بيضاء خالية حتى من السطور التي نسير عليها القلم حتى لا تميل كلماتنا أو تعوج سطورنا . كأنه واحة خضراء أو جنة بربوة يصيبها وابل الغيث والرحمة ، وإن لم يصبها وابل فطل يتخلل إلى جذورها ويسري في عروقها ويسقي روحها ، ويبعث فيها الحياة من جديد بعد ظمأ وصدى .

مفتوح على مصراعيه لأنواع السعادة والسلا ، يرفل في ثوب الحبور والترف ، بل كأنه فراشة متعددة الألوان الزاهية الجميلة ، تتنقل في حديقة القصر المليئة من كل أنواع الزهور والثمار ، فتنتقل من زهرة إلى زهرة ، كأنها جزء منها ، أو غائب عزيز ، غاب عنها حيناً من الدهر ، أو كأنها تاج لها تتزين به في عرصات الحديقة . أو كتلك الفراشة الحرة الطليقة التي تتجول بين أزهار الوادي المنتشرة على ضفاف النهر المنساب في سلاسة ووقار ، يسير إلى أرض أخرى تنتظره ليبل ثراها لترتوي به حتى تفتح باطنها وتنشق عن العشب والخضرة والحياة .

قلب كأنه مملكة واسعة الجنبات ، مترامية الأطراف من الحرية والقوانين الذاتية التي تحكمها ذاتياً ، خالية من ملك يتصرف فيها أو يتدخل في شؤونها ، وليست غابة تحكمها شريعة الغاب .

هكذا يبدو الإنسان في حياته الأولى دون عشق ، أو غرام ، قلبه بين يديه ليس ملك لأحد من العالمين .. فمن الذي يجني عليه ويزج به في غياهب سجون الهوى وقبضة معشوق قد يبالي ، أو قد يضرب عنه صفحاً ؟!

إنها العين .. النظرة الأولى التي تقع على وجه فاتنة ، لأول مرة ، تشع منه آيات الجمال والحسن وتسري منها رائحة الندى ، وعبق الغرام ، كأروع وأجمل عطر عرفته النفس المحبة ، وترمق منه عينان كحيلتان ، زانهما الحور ، وافتتن بهما الكحل ، وخدان أسيلان تتلألأ أشعة الشمس على صفحتهما ، كأنما وقعت أشعتها على سيف مصلت من غمده ، فأسلتا سهامهما إلى ذلك القلب البريء واقتحمت تلك المملكة الخالية ولسان حالها يقول : من سبق إلى مباح فهو أحق به ، فتحكم قبضتها عليه وتعلن رسمياً احتلاله والتربع على عرشه ، فلا يملك إلا السمع والطاعة والانقياد وفتح أبوابه ، وإزاحة الحرس عن أسواره ، فتدخل تلك الفتاة إليه من أوسع أبوابه دون منازع أو مقاومة ، لأن أسلحتها فتاكة ، وقبضتها محكمة ، وجيشها عرمرم لا يقهر ولا يشق له غبار .فتسن القوانين وتخضعه لحكمها .

نحن نحب دون أن يكون لنا شروط سوى ما تمليه قوانين الحب وأحكامه فنخلص في الحب ، ونعد ونفي ، ونعاهد فنكون عند عهودنا ولا نخلفها ، وننتزع قلوبنا من بين جوانحنا ونهديها لمن أحببنا دون مساومة أو تردد ، ونضعها بين يديه دون أن نفكر أو نخشى عليها .. ونعيش مع الحب والمحبوب في حياة جديدة خاصة لا نرى في الوجود سواه ولا ننظر إلى سواه . 

إنها تضحية ، وتسليم للجوارح والقلب والشعور والإحاسيس لشخص آخر نأتمنه على كل تلك العوامل لدينا ، والمتغيرات فينا بل نمنحه إياها دون مقابل وبلا قيود ، ثم نركن ونطمئن إليه ..

الجمعة، ديسمبر 03، 2010

موعد الحنين


عندما تختلط الحروف ، وتضج في زحامها كوجيب الحجيج
في طوافهم ، تارة تسكن في هدوء أشبه ما يكون بالموت
وتارة تهب كما تهب الريح العاتية ، فتعصف في الأعماق
وتضج في نواحي الذكريات ..

فما أجمل الشوق عندما يعززه الإيمان بحب الطرف الآخر
وما أروعه من شعور يختلج في الأعماق عندما يكون الحنين
على موعد مع بل الصدى ، وقطرات حُبٍّ كما قطر الندى .

الخميس، نوفمبر 25، 2010

لعينيكِ ( أرجوحة القدر )


كالطائر المحلق في السماء كانت الروح ، تتنقل هنا وهناك ، تعلو تارة وتنخفض تارة أخرى ، تتوارى في الغيوم أحياناً ، وتتجلى في زرقة السماء لحظة .

تجوب فضاءات الفضاء ، ترفرف بجناحين من الفرح والسرور تبتعد تراة وتقترب أخرى ، كالطفلة الممتلئ بالحيوية والطفولة والبراءة ، عندما يلهو بين يدي أمه التي تتابعه عن كثب وترمقه بنظرها خفية كلما ابتعد ، تتبعه جوارحها كلما ابتعد وزادت دقات قلبها واعترتها ملامح الخوف والوجوم خيفة عليه ، فأفسد عليها جلستها على الرمال التي قد جعلها حبها له أنعم من الحرير وأدفأ من الصوف ، وهي مع ذلك راضية بذلك ، وتعود إليها نسائم الحياة وبريق الفرح عندما يقترب منها ويشتعل جوفها حناناً ، ويلتهب حظنها دفئاً وأماناً .

هكذا كانت الروح تتدرج في فضاءات كون الحب بجوار توأمها التي كانت تعانقها في السماء وتحتظنها بين طيات الغيوم ، وتسامرها على قمم السحاب ، عندما وجدتها في لحظة من الزمن كانت لحظات زمن لم تولد بعد ، ثم ولدت في ظروف لم تكن في الحسبان ، وكأنما القدر كان مكتوباً من قديم الأزل ، فلما ولدت تلك اللحظات لم تكن سوى لحظات عابرة ، لم يمهلها الزمن ولم يتح لها الماضي فرصة للحياة في الحاضر ولم يسمح لها بالتطلع إلى المستقبل .

ومع ذلك ظلت معلقة في بروج السماء متمسكة بروح التحمت بها في حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً ، تتبعها أينما سارت وتمرح في حضرتها كلما أقامت ، حتى تعلقت بها واندمجت فيها ، فصارتا روحين في جسد واحد ، حتى ذلك الجسد كان يتبع الروح كلما انطلقت وعرجت في السماء نحو جزئها الآخر الذي وجدته وكأنما هي على موعد معه .

وعاشت الروح بروحها تلتقي حتى عشقتها وجعلت من حبها محراباً تخلو فيه لمناجاتها وتخلد إليه كملما خطرت بها خاطرة ، وتأوي إليه لمناجاته في غسق الدجى ، وتنتظر إطلالتها مع إشراقة الصباح الأولى ، وترقب صورتها في حمرة سحق الأصيل .

وظنت أنها قد حوتها واحتوتها فأطلقت العنان لخواطر الحب وبلاغة القول وفصاحة الكلام ، وعذوبة المنطق ، لتقول في حبها وتصف المشاعر ، وتشرح الأحاسيس ، ففاض ينبوع الكلم وجرى على لسان القلم ، فانتظم على الأوراق أروع منطق وأبلغ كلم

أما الآن فقد تبددت الغيوم وانقشع الغمام ، وسارت السحابة ولكن ليست كسحابة عبد الملك وليس لتمطر فيعم نفعها رقعة البلاد الواسعة ، بل لتتهادى في الهجير ، وقساوة الصيف ، وهوى ذلك الطائربعدما أصبح حائراً ، والذي كان يرفرف بجناحيه في فضاءات عشقها ، وسماء حبها وانثنى جناحاه فهوى من علوه وعاد إلى القمم وسكن أعالي الحيود يتلفت يمنة ويسرة بحيرة وإعياء ، وحيداً في القيعان ، مسلوباً على العرصات مشتت الذهن منكسر الخاطر .

وانفصلت الروح وتوارت الأخرى ، في آفاق الكون واختفت في سراب اليأس وأصابت مقاتل الأمل ، وهاجرت مع أسراب الأحاسيس والمشاعر إلى بلاد الذكرى وغابات الضياع ، ثم انطوت في عالم النسيان وتركت بعدها روحاً وجسداً يعتليان قمم الحنين ويسلكان أودية الشوق وأنهار الأنين .

وأعلنت الانفصال وحكمت بالهجر ولاذت بالبعاد ، فغارت قدماي في صحراء الضياع .
تقول نسيتها ، بل وخنتها ، وتحرر الأحكام جزافاً ، دون أن تستشير قلبها عن مدى عدالة الحكم وسلامة الجزاء .
أناديها عبر الأثير ، أناجيها في ظلمة الليل ، أتخيلها كلما أغمضت عيني ، في صور متلاحقة تبدو كل منها أجمل من الأخرى ، كلما فتحت حاسوبي ، ودلفت إلى المرسال أتحدث مع نفسي عنها ، وأمنيها بلقياها والحديث معها مرة أخرى ، فأنتظرها لأشرح لها ، وأوأكد لها أنني أعشقها ، لم أنسها ، لم أهجرها ، لم أخنها ، ولكن دون جدوى .. تمادت في الغياب ، وأصرت على البعاد ، ونسجت من الهجر دثاراً ودثرتني به ، وأجرت من البين أنهاراً وأشعلتها ثم زجتني في خضمها .

ولا زلت أنتظر إطلالتها ، لأطفئ شوقي إليها بالحديث ، والشكوى من تباريح الهوى ولهيب الجمر واللظى ، وسأظل ..
ولكن هل ستعود ؟!
هذا ما سأنتظره .
فإن عادت فأبواب قلبي مشرعة ، أمامها ..
وكلمات حبي مسخرة للبوح لها ..
وقطرات حبر قلمي جارية بالشوق إليها .
لقد كان لجرحها هذياناً في أعماقي ..
ولصدها أرجوحة يتقاذفها القدر .

الجمعة، نوفمبر 12، 2010

الغدر


عشتُ الحب زمناً ..
وتقلبت في لهيب الشوق فيه .
ونعيم الوصل ..
وعذابات الانتظار ..
وجلستُ على صفيحه الحار بالحب ..
وصفحاته البيضاء بالوفاء ..
وتدرجتُ في طفولته أعواماً ..

ثم ..
انقلبتُ فيه على صفيحه الساخن ..
بالغدر .. بالخيانة .. بالنقض ..

وأيامه الحافلة بالبعاد ..
وسنينه المليئة بالهجر ..
ودهوره المتلوثة بالجفاء ..
والبين .. والصد ..

ثم ..
عشتُ عالماً آخر بعد الحب ..
ومن أثر الحب ..
حياة الألم ..
والذكرى ..
والحنين ..
والشوق ..
والذكريات التي تنهض كلما تجمعت السحب
وسار الضباب .. واحتدم الغيم ..

ولا زلت ..
أعيش الحرمان .. وأتجرع غصة الحب كؤوساً مريراً .
وأتدثر بغيوم الذكريات .. وأتقلب في آلام الخيانة ..

ليتني لم أحب .. ولم أعشق .. ولم أمنح قلبي لفاتنة ..
ليتني ما عرفت حروف الحب .. ليتني لم أهبَ مشاعري
لأنثى .. وأحاسيسي لحسناء ..
وليتني لم أقطع بوعدي لخائنة .

اندثر الحب .. ودرست أطلاله .. وسقطت دمنه ..
وتدحرج تاجه من فوق هامته .. وترنح جسده .. وخارت قواه .
ونعق البوم في أرجاء حديقته .. وعصفت الخيانة بأزهار جنته .
ويبس النجم من فوق تلاله .

الخميس، نوفمبر 04، 2010

المنحى


مات الحب .. وسقط عن عرش مملكته ، وتهادى كيانه ، وخوى على عروشه . 
ولم يبق منه سوى أنقاض تأوي إليها هوام الذكريات ، وكوابيس الوجع . 
وسكتت تلك الأنغام العذبة التي كانت تدوي بأصداء الكلمات ، وقلقلة الحروف .
وانحسر صداها وانقطع على ضفاف الذاكرة وقيعان الذكريات ، وتراجعت الكلمات وجف النبع
الذي كانت تفيض منه ، وانحسر النهر الذي كانت تجري معه ويجري بها ، وخبا صوت العشق 
والغرام في أعماق النفس كما تخبو الروح من جسد ميت ، توارت في أفق الحياة كما تتوارى النجوم 
في أفق السماء عندما يمحو وهجها نور الصباح . 

وأعيا اللسانَ النطقُ واحتار ولم يستطع أن يتلفظ بتلك النغمات الجميلة التي كانت تشع بالحياة ، وتتلألأ 
بالأمل ، وتوقف ذلك السيل الذي كان يتدفق بمعاني الحب وقطرات الهوى  . 

عندما استلت خنجر الغدر وجعلت منها مدية للقتل وزرعتها في الصدر فأحدثت فيه شقاً عميقاً ثم زجت
بكفها إلى أعماقه فانتزعت تلك المضغة التي طالما حوت من حبها وارتوت أرضها من هواها ، وتقلبت 
على جمر الحنين والشوق ، فقتلت الروح دون الجسد ، والأحاسيس دون العمر ، والمشاعر صبراً وتعزيراً 
قتلاً ذريعاً لا هوادة فيه ولا رحمة ، ثم تركت كل تلك الأرواح جثثاً هامدة داخل جسد حي ينتظر انقضاء الأجل 
المحتوم  من بارئ النفس ، وظلت تلك الجثث داخل الجسد ، فجعلت منه مقبرة لها ، ولم تجهز على النفس البشرية
لأن لها موعد محتوم ، لتحمل في داخلها قتلى وصرعى ، لكي تستريح من حمل جثامين في جميع أنحاء جسد خائر القوى

ثم انحسر كل شيء وعاد ليقبع في وهاد الذكريات ، وظل حبيساً خلف قضبان العقل ، مسلوب الإرادة والمنطق ..
تراجع عنه القلم ، ولم يعد هناك مجال للحديث والكتابة عن الحب لأنه قد قتل وخر شهيداً ، ولا يجوز الحديث عن الموتى
لأنهم قد أفضوا إلى حياة أخرى .. ولكن لازال البدن مقبرة تحتظن أشلاءهم ولازالت الجراح تثعب بالدماء وتتضور 
من ألم الجراح . 

لقد أصبحت ممكلة الحب أنقاضاً وعمارها خراباً وحقيقتها سراباً وهوى عرشها كما هوت إيوانات كسرى عندما أضاءت 
لأنوار النبوة بصرى من أرض الشام . 


سأعتزل الكتابة والحديث عن الحب لأنه قد قتل في داخلي ، وسجن جثمانه بين أضلعي ، وكفن جسده بالأديم من جسدي 
فاستعصت الكلمات علي وخبت وضاعت واندثرت حروفه تحت أنقاض مملكته .. 
وسوف أنحو في الكتابة منحى آخر لعلي أجد فيها متنفساً ، وفوهات أنفث منها ما في جوفي من آهات ، وأخفف عنها
لفح الحريق ولهب الحرمان ، وظلمات الظلم ، وقساوة الجور . 

نعم لقد مات الحب .. ولكن الكلمات لم تمت ، وإنما انحسرت في أعماقي وانعقد عنها لساني .

الأحد، أكتوبر 31، 2010

حبٌ تحتَ المَطَرْ


تحت زخات البردِ ، ودوي الرعدِ ، وتلبد السماء بالغيوم ، ومغزِّرات المطر ، في عصرية ممطرة ، تهب علينا نسائم أمطار الصيف  الباردة التي تسبق هطول الغيث .. بين العصر والمغرب .. السماء تزداد عتمة ، وتختفي زرقتها تدريجياً في ركام السحب السوداء المحملة المبشرة بقدوم الرحمة وإقبال الغيث وتباشير المطر . 

وفي صدفة كانت خيراً من كل ميعاد وأنا أسير في ذلك الدرب المحفوف بالعشب والأزهار من جانبيه ، وقد تفتحت أزهاره ، وفاحت رائحتها الزكية في الأرجاء .. بخطى حثيثة كنتُ أسير لأن المطر قادم وقد بدأت قطراته المتفرقة هنا وهناك تهطل كأنها تحذير لمن خارج داره أن يعود حتى لا تصيبه وتبلله ، وللرعد دوي مخيف ، وسناه يكاد يخطف البصر ، وصوته يهز الأرجاء وكأنما ( زلزلت الأرض زلزالها ) بالطبع تلك طقوس موسمية تعودنا عليها نحن سكان الجبال ، وهي مواسم ننتظرها بشغف لأنها أصوات الخير وبشائر الرحمة من الله بعباده القادمة من السماء ، تهتز الأرض منها وتربو وتنبت ( من كل زوج بهيج ) وتنبت مع أعشابها وأزهارها الندية وأغصانها الطرية الذكريات ، ثم تدلف إلى شريط الذكرى وصحائف الأيام . 

وكأن تلك العوامل الآنية تدفعني سريعاً وتحثني على الإسراع بالخطى ، كأنها تريد أن تقول لي بما سيحدث في نهاية الطريق ، وعلى مفترق الطريق ، بين الوجهتين .. فما هي إلا لحظات حتى وقع ناظري عليها وهي كالبدر عندما يتخلل الغيوم في دجى الليل .. تسابق المطر وتتجاهل أصوات الرعود  التي تجوب ذلك الوادي الأخضر الجميل ،وكأنها معزوفة للمطر  وتزيد نضارتها كلما لاح لمع سنا  ، البرق فوقفت جانباً حائراً .. ووقفت هي .. 
وبدأ المطر يتساقط ويتسارع .. ونسينا ..
وصوت الرعد يدوي فتجاهلنا .. وتقاربنا 
والنسمة تهفهف بشعرها وتداعبه فتزيلها عن وجهها تارة وأخرى تعيدها وكأنها تغطي ورود الخجل .
وتداعب تلك الخصلات .. وبهتنا .. 
وهكذا بقينا برهة والمطر يهطل ويتكاثر .. والبرد من حولنا كأنه يتحاشى أن يقع علينا فيؤذينا .. 
فوجمنا .. وسكتنا .. وتأملنا .. وجمعنا الكلمات في خواطرنا .. 
ورتبنا العبارات بصمت وحديث خفي .. ونسجنا الكلمات عواطفاً وأحاسيس .. وألبسناها المشاعر . 
ونحن لا زلنا في صمتنا . 
وتركنا النظرات تتحدث بدلاً منا .. والنبضات تعزف أنغام حبنا بين أضلاعنا .. 
وتتسارع أضلاعنا بنبض قلوبنا وهي تشرح مشاعرنا وتتحدث عن أحاسيسنا .. ولا زلنا واقفين .. 
وقطرات المطر تتسارع وتزداد .. حتى بللتنا وكأنها تغسلنا وتطهر أجسادنا وأرواحنا .. كأنها غيثاً للحب لينبت في أرض أبداننا
وشعاب قلوبنا .. وبرى أرواحنا . 
وكل قطرة منها نقطة للذكرى .. حتى أصبحت ذكرياتنا تتجدد كلما هطل مطر وشنت سحائب الغيث على أي أرض .
وفي أي زمان ، وصارت ذكرى خالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . 

كان لقاء تحدثت فيه قلوبنا .. وتناجت أرواحنا .. وتلاقت نظراتنا في قارعة طريقها . 
ثم اختلطت مشاعرنا .. وامتزجت أحاسيسنا .. كما امتزجت قطرات المطر بذرت الثرى . 
وبعد صمت .. وذهول .. نطقنا .. وتحركنا .. وبلسان واحد وحرف واحد وكلمة واحدة نطقنا ( أحبك ) . 
في آن واحد .. فكأنما هي جوقة موسيقية عزفت على ربى ذلك الوادي الجميل .. فجرت فيه كما جرى في سيل المطر .
كان كل واحد منا ينتظر أن يسمع تلك الكلمة من في الآخر .. ويتمناها بلهف وشوق .. 
ليضمد بها جراحاً ويسكن بها آلاماً تعتصر الكيان .. وتقض المضجع .. 
فصاحبت تلك الكلمة .. المطر .. والرعد .. والبرق .. ثم ارتبطت بها فصار للرعد والمطر والبرد والبرق ذكرى .
وعلاقة مع الحب . فأغاثت قلوبنا .. وقربت أرواحنا .. ومزجت أحاسيسنا وأيدت مشاعرنا . 

كان ذلك منذو وقت طويل .. عقود من الزمن .. تتالت .. ولا زالت معزوفة المطر تنبش الذكريات .. وتبعث الأحزان .
وتنكأ الجراح .. وتارة تكون نزهة المشتاق ومتنفساً لروح أهلكها العشق .. وأضناها البين .
فتجأر إليها وتتجول في حديقتها المتهادية بين أطلال الزمن . 
وصار المطر إلياذة الروح وناقوس الذكريات الخالدة التي أتلوها في محراب الحب .. 
وأقرأها على ركام السحب .. وأتخيلها بين ذرات الغيوم .. وأسمعها في وابل الغيث كلما جادت به السماء على أطراف الربى .

في ذلك المفترق انطلق الحب ، وأفصحت نفوسنا عما في دواخلنا وما كبتناه زمناً طويلاً .. 
وانطلقت مسيرة عشق وسيرة غرام .. وولد حب كبير عشناه فترة من الزمن لم نرها سوى لحظات .
عابرة .. وهناك انعقد العهد .. تحت المطر .. في مفترق الطريق .. بين زخات البرد .
ومع صوت الرعد .. وسنا البرق . . ولكن العهد لم يعد مسؤولاً .. فقد وقعت الخيانة .. ونقض العهد .. وخين الحب . 
ووقعت الخيانة .. وانطلقت رصاصتها إلى الصدر .. فأوقفت ذلك النبض .. وحطمت تلك الأضلاع ..
وبددت ذلك سكون .. واخترقت ذلك الصمت .. 
وأجدبت الأرض .. ونبتت الأشواك .. وتعرى الطريق من تلك الحشائش والأعشاب التي كانت تزين جانبيه . 
وأقفر الوادي .. وغابت خضرته .. ونزفت الجراح .. واشتد الألم .. وتعمق الحنين .
حتى انعكست على الجسد والروح ، والنفس .ز فشاخت النفس .. وأنهك الجسد .. وتمشى في جانبي الليل نهار . 
ومن يبصر مفرقي ( فأفزعه ليل تمشى في جانبيه نهارُ ) . 
وخانت العهد .. ثم قتلت ..


الخميس، أكتوبر 28، 2010

بحثاً عن الليلك والسديم


بين حروف كلماتها تجولتُ ، وتخللت سطورها الكريمة البهية ، وتأملت كل حرف من حروف تلك الكلمات ، ووضعت رحلي في تلك الجنبات والحما ، وأنخت مطية الذكرى بباب الذاكرة العتيق ، ثم يممت بوجهي نحو سمائها وأطلقت النظر إلى عنان فضائها ، فغار في أسباب السماء ليعتلي في رحاب الكون وهام السديم .

فهدأت النفس واستقر كيانها وسرى دفء الذكريات في أرجائها فوقع عليها بارداً لطيفاً كما تقع نسمة الليل على ميسم الزهر ، فارتاحت وسكنت ، ثم ابحرت تسير مع رياح هادئة قائدة ، تشق أمواج الذكريات القديمة ، الجميلة ، وهزها الشوق وتسارعت خطاها بحثاً عن الليلك ووهج السديم .

ثم تسارعت النبضات في أرجاء قلب ممزق ، ومتيم ، ونفس مفارقة حزينة ، وكلما اقتربت الخطا وتسارعت ولم تجد في تلك الأمواج بوادر البشرى تلوح في أفق الزمن وكبد الذكريات عن زهرة الليلك ووهج السديم فخطوة أمل تحدوها نحو الأفق وتدفع بها نحو أرض شاسعة ومفاوز متباعدة ، وأرض مترامية الأطراف من الآمال والتوجس ، والأحلام واليأس . وعثرة يأس تلقي بها في الحضيض . وكل خطوة تسعى لتكون هي الأقوى وصاحبة القول الفصل ، ثم تسارعت وتصارعت حتى كان القول الفصل هو صوت النذير.
ولم تعد إشعاعات الأمل تلوح وتتوهج في الأفق ، أو تضيء الطريق ، ولم تعد بصيص أمل في نهاية نفق عميق ، وبدأت أضواء الأمل تخبو وتأفل ، حتى كرهت من أفولها كل الآفلين .

حتى إذا رست النفس على يابسة الذكرى ، وشاطئ الأحلام المتحول إلى اليأس وذرات البؤس والأسى ، وجالت النظر حول ذلك الشاطئ السحيق الممتد مد البصر ، المنبعثة منه أبخرت السراب ، ولفحة القر والهجير ، فإذا به مزيج من الذكرى المعتمة المؤلمة ، تحولت من الأنس والفرح إلى أشباح وملامح الترح ، فأصبحت ذات وجه شاحب ، وجسد ناحل ، وكيان متهالك ، وبدت ساحات الأرض المنبسطة أرضاً جرداء زرعُها الآلام والأحزان والأسى ، وثمارها البعد والجفاء والهجر والبين .

تجولت في أرجاء تلك الديار فلم أعد أر فيها من ذلك الجمال الآسر الذي استقرت وهدأت به نفسي في يوم ما . ولم أعد أر فيها من الجمال سوى صورة رمزية تبدو عليها نقاء الطفولة وآيات البراءة ، ممزوجة بملامح الحزن والأسى والحيرة . كنت أتخليها ذات يوم في صورتها وأرسم خطوط جمالها وطيبتها وبراءة قلبها وجمال روحها .

فلما رأيت الأرض مقفرة ، والدار دامرة والجنبات موحشة ، إلا من بعض أناس لا يمثلون شيئاً بالنسبة لي عدت من حيث أتيت وقد ذبل الليلك وخبا وهج السديم .

السبت، أكتوبر 16، 2010

وقالت أوراق الزيزفون



في الألوان أراكِ .. 
في ألوان الطيف ، ووهج الأصيل ، عندما تميل الشمس إلى الغروب ، وأولي بوجهي نحوه ، إلى غروب
الشمس الممتلئ بلون الشمس الذهبي .
أراك في لون الأصيل الجميل ، حتى صار للغروب لدي ذكرى 
ولي معه موعد يومي ألقي إليه بنظري ، لأتأمله ، وأناجيه 
فتبدو لي صورتكِ في قطع السحب الذهبية المتناثرة على خط الأفق الغربي
وفي الشفق الأحمر ، ومع القمر إذ يسرِ . 
مع شاطئ البحر لي موعد عندما أقف عليه فأولي بوجهي ناحية الغروب 
أناجي أمواجه الهادئة ، وأنصت إلى نغمات موجاته العازفة على حصى 
شاطئه ، التي استلقى عليها ضوء الأصيل ، وانعكس عليها ، فبدا كأنه 
سجادة من ذهب بسطت على حلة زرقاء ، تتموج مع الماء الذي تحركه 
نسمة الهواء الطلق ، وكأنها تداعبه ، وتسامره . 

أحببت الغروب لأن فيه مستقر الأصيل ، وموعد ألوانك تتجلى فيه ، وأرسمكِ 
في مخيلتي في وهجه ، وتكسر أشعة الشمس عليه . 

في اللون الأحمر أراكِ ، وأجد عبيركِ يفوح كما يفوح عبير الوردة الحمراء عندما
يهبط الليل ويهب نسمته الباردة فتروي بطلها تلك الورود حتى تفوح معها رائحتها الزكية
وتسري مع ضوء القمر الهادئ وتشق هدوء الليل فتنبعث في النفس معزوفة الحنين 
وأصوات الشوق والسنين . 
تداعب الأغصان الندية ، والأزهار الزكية ، والتلال الخضراء ، وتسامر ضوء القمر الوقور .

في اللون الأبيض أراكِ ، وكلما فتحت صفحة بيضاء من صفحات مذكراتي ، المعدة للكتابة 
أراكِ على رأسها ، تتنقلين في أرجائها ، تسيرين أمام ريشة القلم ، كأنكِ دليل يستنير بكِ ، 
ويسير من خلفكِ ، فأحببت اللون الأبيض لأنه مساحة بيضاء تعكس صورتكِ في هدوء وسلام 
وفيه بريق ثناياكِ عندما تنبلج عنها شفتاكِ ويبرق من خلال عنابهما سنا ابتسامتكِ الوديعة ، 
الخجولة ، فتشعرني بما يحويه صدركِ من قلب قد هوى إليه فؤادي ، والتحم به . 

كلما دخلت هنا ، أراكِ خيالاً ، وحقيقة ، وأشعر بكِ هاجساً ، أراكِ عندما تتحركين معي 
وترمقيني بعينيكِ الجميلتين ، وتنظرين إلي من طرف خفي ، ولكنكِ تكتمين ذلك 
وتتهربين مني لأمر ما .. لا أدري ما هو .. ولكن لعلك مصيبة في ذلك ، ولعله من أسباب
إطالة عمر الحب وبقائه ، وإن لم يكن بيننا تبادل لكلمات الحب والغرام ، لأن ما في أعماقنا
*من حب يغني عن اللقاء والكلام ، فاصبح حبنا عذرياً بحق ، تتحدث مشاعرنا عنا . 
وتلتقي أرواحنا بدلاً من أجسادنا ، ونتحدث من بعيد ونتواصل عبر الأثير بلغة الأرواح 
وجمال الخيال ، وتصوير الذاكرة . 

أجدكِ في اللون الأسود ، في سواد الحبر ، تنعكس صورتك الجميلة ، ويتجلى ضياء وجهكِ 
في الصورة التي رسمته فيها ، ونمقته وزينته وطرزته ، وأضفت عليه كل ملامح الجمال 
الممكنة ليكون جمالاً لا مثيل له في الوجود وحتى لا تميل نفسي إلى غيركِ 
ولا تعشق النظر إلى غير وجهكِ حال اللقاء فتقتصر الروح عليك ، وتؤول النفس إلى معبدك

تخيلي اللون الأسود ، وتذكري الليل ، حالك الظلام ، فعتمته وسكونه ، وحذر المخلوقات 
وسكنها فيه ، وهدوء الكون ، وسكن المخلوقات ، عندما يبزغ القمر من مشرقه ، يتجلى شيئاً
فشيئاً ، فيطل بصفحته المشرقة الجميلة ، فيزيل عتمة الليل ، ويزل الوجل من النفوس 
ويبعث الطمأنينة في الأرواح ، والمخلوقات ، وكذلك أجدكِ وأتخيلكِ في اللون الأسود 

لون أسود ، وليل اسود ، وصفحة بيضاء ، وحبر أسود ، وقمر سار في عتمة الليل 
ووجهك كالبدر يزور السماء ، ويزينها بنوره ، ويؤنسها بهدوئه ، وكالكوكب الدري
المتوهج في طرف السماء البعيد . 

أنتِ هنا ، معي الآن تجوبين هذه الصفحات ، وتقرئين هذه الكلمات ، وترقبيني من هناك
لقد علمتُ ذلك ، وعرفته وآمنتُ به ومهما كانت أوراق الزيزفون رمادية فقد دلتني عليك ، 
وأخبراتني عنكِ ، لأن لها معي حديث ، ولي معها اتصال ، وزيارة وتأمل ، أستمع إليها 
فلم يكن حديثها إلا عنكِ ، وكلما رحلتُ بعيداً بخيالي وأبحرتُ في ذكرياتي ، تشدني همساتها 
وتجذبني كلماتها لتقول لي : لا تذهب بعيداً ، فأنت بجانب الروح الأخرى ، التي كنت تلتقي معها
بروحك ، وإنما انفصلت عنكَ روحها لأنها أرادت ذلك ، لتستبقي حبكَ وتبقى بجانبكَ آمنة مطمئنة 
حتى لا تفقدكَ ، فهي تضحي بنفسها دونكَ وتعذب قلبها لتبقى على اتصال معك دون أن تشعر .

هكذا قالت أوراق الزيزفون ، 
كلما غبتِ أحن إليكِ وأشتاق إلى لونكِ ، الأسود ، والأبيض ، والأحمر - لعل هذه الألوان 
هي ألوانكِ المحببة ، فقد صار لي اتصال روحي معكِ حتى اندمجت فيك ومعكِ فصرت 
أستشعر أدق تفاصيلكِ - وكلما باتعدتِ أنجذب إليكِ وأسعى خلفكِ رغماً عني لأنها روحي
تتبع روحكِ ، ونفسي تتوق للبقاء بقربكِ . 

أنتِ لازلتِ هنا ، بجواري ، فحديث قلبي لا يكذب ، وعقلي لم يخامره ما يعكره ويغالطه
الآن أدركتُ ذلك ، وآمنت به ، لأن روحي لازالت تلازم محرابكِ وتقف على فناء معبدكِ 
تحرسكِ ، وتتبعكِ وتسير من خلفك ، وكالخذروف تدور من حولكِ ، كالأجرام من حول زحل

هذا ما قالته أوراق الزيزفون . 

الأربعاء، أكتوبر 06، 2010

ومن الجنوب شرق



في الشرق لوحات فنية جميلة ، وآيات إلهية عظيمة ، تسبح الخالق المبدع ، سبحانه وتعالى . 
كم أحب الشرق وكم يهوي إليه فؤادي وتهفو إليه نفسي ، وكم هو جميل عندما تعانق الشمس آفاقه في ساعات الصباح الأولى ، وتزحف من خلف قمم جباله وتلاله ، وتتخلل سامقات أشجاره ، فيتكسر ضوؤها من خلال وريقات الشجر ، كالسيوف المصلتة تبرق في ساحة المعركة ، أو كقطع الفضة المتلألئة في وهج الشمس ، ولها لمعان أخاذ ، وتزحف بهدوء ولطف وهي تكتسي بحلة ذهبية جميلة ، وتطل عبر قمة الشرق كأنها تداعب الكون وتبتسم للناس مبشرة بيوم جديد حافل بالعمل والعطاء ، سامحة لهم بالتحرر من قيود الليل وسكرات النوم ، تبدو في غاية الجمال والروعة بتلك الألوان التي تصاحبها نسمة باردة تزحف من عمق الوادي نحو القمة مسايرة لضباب وديع يسير معها نحو التلال والهضاب ، فينفث رذاذه على الطبيعة فيطفئ بها حرارة الأرض ويبلل أغصان الشجر وتتربع قطراته على عروش الأزهار كالجمان  ثم يتحدر منها كأنها دموع أسالتها حرارة الأحزان وأنات الآلام . 
روعة المنظر في تلك اللوحة الفنية الرائعة ، عهندما تلقي بنظرك إلى قعر الشرق في لحظات صعود الشمس وإطلالتها على الكون فتلقي باشعتها في فسحات الشرق حيث تناثرت هناك قطع من السحب المتفرقة هنا وهناك ، فوقع الضياء عليها فاتشحت بلونها الأصفر فأصبحت كأنها قطعاً من الذهب نثرت على حلة زرقاء ، أو كأنها نمارق من الذهب مصفوفة أو زرابي مبثوثة ،  سبحان الخالق المبدع ، فأعطت للشرق بعداً أفقياً رائعاً جميلاً فاستقرت العين محدقة في تلك المناظر الخلابة ، واستنشقت النفس نسمة الصباح الأولى الباردة ، التي تسربت عبر الوادي تداعب الأغصان وتغسل الأزهار وتروي الأعشاب صاعدة نحو القمة وكأنها رسول يوم جميل أو هدية شرقية بعثتها آية النهار قبل أن تشتد في كبد السماء ، فوقعت على الجسد ببرودتها وعليلها وعبق الأزهار التي ارتحلت معها ، أو كأنها هدية وداع لليل حالم بدد حلكته نور القمر عندما أسدل ستاره على الكون فغفت في هدوئه المخلوقات ، واستيقظ العباد والعشاق كل على شاكلته وانبرى في شأنه ، فألقى بآخر محاسنه مع نسمة الصباح وأشعة الشمس في مطلعها . 

ليس بالشرق من الغرب ، الذي أتحدث عنه ، وليس بالشرق من الشمال ، ولا بالشرق من الشرق ، ولكنه الشرق من الجنوب ، ومن الجنوب شرق ، ومن شرق الجنوب شرق الشمال ، وقد لا أريد أن أشرح هذه العبارة أكثر من هذا حتى لا يقع القارئ في حيرة أو يتضجر من التداخل في التركيب وربما التعقيد ، أو تبدو له التعابير شيئاً من الهرطقة والسفسطة غير مفهومة وإلا فهناك شرق الجنوب ومن الجنوب شرق ومن شرق الجنوب شرق  ومن شرق شرق  ، وشمال شرق ، إنها مشارق متعددة وللشمس ثلاثمائة وستون شرقاً فسبحان رب المشارق والمغارب . 

قد تبدو هذه التركيبات غريبة ومعقدة نوعاً ما ولكن بقليل من التأمل سيتضح كل شيء بالنسبة لأي قارئ ولا ريب أن هناك قارئ ما سيدرك هذا المعنى لأول وهلة يقرأها . 
في تلك الربى بجبالها الشاهقة ، وطبيعتها الخلابة ، تهفو النفس ويهوي الفؤاد ، وهناك وفوق جبالها في عمق الفضاء وأفق الكون البعيد سكنت الروح واستقر بها البحث ، حيث وجدت نصفها الآخر مستقرة هناك فالتحمت بها وظلت بجوارها تناجيها وتهتف لها وبها ، والجسد في الغرب ، قابعاً ، تدفئه روح الحياة ، وبقية الأجل . 

كانت الصدف والأقدار التي انتزعت الروح وطارت بها نحو كواكب الشرق فاستقرت هناك بجانب كوكب الزهرة تدور من حوله كأنها نيزك تشده جاذبيتها فصار يدور حولها كالطائف حول معبده . 


الأربعاء، سبتمبر 29، 2010

الظلام في ضياء البدر



السير في دجى الليل آمن ، والبحث في جنح الغياهب مجد ، سيما إذا كانت الدروب والمسالك واضحة ومعلومة في الخيال ، لدى الباحث وحاضرة في فكره وساكنة في أعماقه ، والهدف واضح يشده الإيمان والاعتقاد به ، يستضي في حلك ليلها ببوارق الأمل ونور التفاؤل وضياء الصدق والأحاسيس ، ورهف المشاعر . 
فعندما نبحث في عالم المجهول ونؤمن بأننا نسير نحو هدف موجود وسنصل في النهاية إلى نتيجة مرضية ، قد تختلف ماهيتها باختلاف ما في أعماقنا من تصور وإيمان ، وبحسب الأمل الذي كنا نرجوه وننشده ، وكلما زاد الأمل زادت قوة إيماننا وكلما لاحت بوارقه وأضاء سنها ظلام نفوسنا ، وغياهب أعماقنا ، وعتمة مخيلتنا وفكرنا نجد ونكثف البحث مع الإصرار والمراهنة على النتائج بأننا سنجد ولابد من ذلك ، فنتابع السير في تلك الومضات المتقطعة الآتية والذاهبة ، وننتهز الفرصة كلما لاحت وبرقت . 

وعندما يكون الضياء ساطعاً والدروب واضحة جلية لنا فننظر إليها في وضح الضياء ، بأبعادها ، وتعرجاتها ، واستواءاتها ، ومرتفعاتها ومنحدراتها وعقباتها وسهلها ، وتتبين لنا كيفيتها ، ومعالمها ، فتختلج في داخلنا هواجسنا ، ومشاعرنا ، وتختلط خيوط معالمها وتتشابك فتبدو لنا كأنها شباك معقد متداخل ، أو كخصلة شعر مرمية على الأرض قد تداخلت في بعضها ، وتنبعث وتهيج في دوخلنا عدة عوامل وأفكار ، بين أمل ، ويأس ، وفرح وحزن ، وصراع مع النفس وسجال ، وتارة يطغى الإحباط ويسود اليأس ويخبو الأمل وتضعف الاحتمالات وتسوء ، ويهيمن الوجل والمخاوف ، لأننا رأينا الفراغ والمساحة التي أمامنا ومن خلفها مساحة شاسعة ، وآفاق واسعة ، نجهل مافيها وتقطع علينا مخاوفنا من المجهول الواضح حبائل الأمل . وتعزز فينا شعور اليأس والوجل ، وتشعرنا بأننا سنتيه في عراء الحياة ، وصحراء المجهول ، وظلام الفضاء السحيق ، وسنضيع في تلك المساحة المجهولة الواسعة . وربما انثنينا عن البحث وجأرنا إلى منطلقنا وعدنا حيث بدأنا . 

كانت الروح قد عادت إلى رحابة الفضاء ، ونفضت جناحيها ورفرفت بهما نحو العلو لا تكسرهما ولا تخفق بهما وانطلقت إلى مركزها في ذلك الكون الممتد ، الحافل بالأشياء الكثيرة ، : الكواكب ، النجوم ، الأجرام السماوية ، ذرات الغبار ، وأجزاء المادة ، والأرواح الخالدة هناك ، التي تعرج في ابراج السماء ، والكلمات الساطعة المحلقة كالطير في عمق الفضاء ، الصاعدة إلى أماكنها في مقراتها ومأواها ، فانطلقت تبحث عمن كان قد زاد الأمل في لقياه ووجوده قبل سطوع البدر ، وإطلالته ، وظلت تبحث بين تلك الشياء كلها عن هدفها المنشود وأملها الكبير ، لعلها تجده بعدما كان قد اختفى في فترة من الزمن لأسبابه . وهي ستعرفه حتماً من بين تلك الأشياء ، حتى وإن لم تره من قبل ، لأن بين نفسينا حديث روحي، وتواصل أثيري ، ومشاعر متبادلة رغم المسافات والفواصل الزمنية والجغرافية ، رغم ذلك الزحام ، وسعة الفضاء وعمقه ، وهي تستند على أسوار المشاعر والأحاسيس ، وتستضيء ببوارق الأمل ووهج التفاؤل

كانت قد لاحت بارقة أمل في الأفق في بادئ الأمر وانشق طريق من وهج الأمل وانفلق طريق الأمل المضيء فسارت فيه على عجل في بحث مستمر ، تسير ببطء وتأمل ، وحثيثاً ووجل ، تارة تركض وتارة ترمل ، وتارة تتوقف لتتدبر وتقرر ، وتصغي لتنصت ، وكان الأمل قد بدأ يكبر حتى كاد أن يثمر . 

فلما طلع البدر وشع بنوره الجميل على الكون وجاب الفضاء في أبهته ووقاره ، وسار بهدوء مبدداً كل الظلام قبل أن يظهر ( البدر ) فانكشفت بظهوره الطرقات وبانت السبل ، واختفى السناء الذي كان يضيء دروب الأمل وميضاً ، واتضحت رقعة البحث ، فإذا بها كانت مساحة شاسعة تبددت في عرصاتها الآمال ، وهبطت إلى قيعانها المنى والأحلام ، وتقطعت السبل ، وعادت الروح أدراجها وقد ضاق الفضاء وأظلم الكون من جديد بطلوع بظهور البدر ، وانخسف البدر بظهور بدر . 
فياليت البدر لم يطلع وليت الظلام بقي حالكاً لأبحث فيه مع فسحة الأمل .

الاثنين، سبتمبر 27، 2010

قد الحروف

الأربعاء، سبتمبر 15، 2010

لحن الذكريات


رجل وادي القمر 
الملك الضليل .
شمس لا تغيب .
مطلع الشمس 

أنا ذاك وذاك وذاك وذاك ... 
ماذا تعني كل هذه الأسماء بالنسبة لي ، وبالنسبة لها ؟ 
لكل منها معنى خاص ، وحياة خاصة عشتها ولا زلت أعيشها ، فاحتفظت بهذه السماء كجزء من كياني الذي لا ينفصل عني حتى الاندراج في حياة البرزخ الطويلة . 
ولكل منها طابع خاص وذكرى جميلة أصبو إليها كلما لفظت اسماً منها ، فتتقلب حياتي في ربوع ذلك الاسم ، وتتبوأ منه المكانة العليا ، وتهيم أفكاري وتغيب ذاكرتي تحت أستاره ، وتعوم فوق غيومه ، وتسير في السماء كالسحاب ، وتعلو في الفضاء كالكواكب الدرية ، وتحلق نفسي في العنان .. بين الغيوم ، وتحت رذاذ السحاب ، تسري مع النجوم السارية ، وتسير مع الكواكب السيارة .

يا للذكريات ويا لجمالها ويالها من شجرة مثمرة ، وجنات يانعة ، وحدائق وارفة ..
حروف أقرأها تمر علي أحياناً لها وقع يؤثر في نفسي ، وتغلغل صداها إلى أعماقي ، كأنني أعرفها ، رناتها وأوزانها ، وألفاظها ، وتراكيبها كأنما هي تنطلق من أعماقي ، ويتلفظ بها لساني فضلاً عن قراءتها ، أنكر وأعرف ، ثم تساورني الشكوك ، ولا اريد أن أجزم ولا أقطع ، ولا أنكر فتبقى نفسي معلقة بخيوط تلك الكلمات ، تتدرج بينها وتتخلل حروفها ، تكاد تذوب تارة ، وتقاوم تارة أخرى ، فلا أمل تام النور لأسير في ضيائه ، ولا يأس حالك الظلام فأتوقف على أبوابه ، ولكن في النفس بصيص ، وفي الفؤاد خفوق .. 
( ويلي من الهجر كم أبلى جسمي وأبقى الدموع تجري ) .. 
نفسي بين جوانحي أقاومها ، وتهاجمني ، وأكبحها فتقهرني ، وأمنعها فتعصيني ، تريد أن تعاود الطيران من جديد ، لتبحر في الفضاء ، وتعود إلى تلك النقطة التي طالما استقرت عندها ، وعاشت في مركزها فترة من الزمن ، لقد تاقت إليها ، فتحركت بعدما كانت قد سكنت وعادت إلى أضلعي لا يأس ولا أمل ، فبدأت تدب فيها الحياة لما وجدت بصيص أمل وحركتها الحروف وهاجت بها الشجون .. 
فيا تلك أفصحي وأشعلي قناديل الوضوح على دربك لتسيري في الضياء ، وتبصري طريقك فلا تحطمي نفساً وأنت لا تشعري ، فليس نفسي بنملة سليمان التي كان لها مسكن فعندما أحدق بها الخطر نادت وأمرت وحذرت وأعذرت ، أما نفسي فلا مسكن لها إلا تيهاً في الفضاء تسير خلف روحك وبها تلتقي ، وعندما فقدتها في لحظة من الزمن هبطت إلى الأرض كالنملة التي شاخت فلم تعد أجنحتها تحملها فتحلق في السماء وتنجو من الأقدام أو أفواه الطيور . 
على عجل كتبت هذه الحروف دون ترتيب أو سابق إنذار إلا عندما هبت النسمة فعزفت على أوتار مجروحة متهتكة في أعماقي فتجاوبت معها النفس بترديد الالحان ، وانساقت خلف الكلمات وانطلقت في الأرجاء تبحث عن العبارات .. 

أنا ذاك وذاك وذاك وذاك ... فقالت : علمت وعلمت وعلمت .. فتركت واحدة ربما هي التي فيها روحي . 

الأحد، سبتمبر 12، 2010

لكل من يدخل



شهر الخير مضى ، وقد صقل نفوسنا ، وتطهرنا به من دنس الغل والغش والبخل والشح ، وصهر خبث النفس وأزال عنها وعثاءها ، فتقربنا فيه إلى الله تعالى ، ثلاثون يوماً من جهاد النفس وكبح جماحها عن كل الملذات ، ثم انقضت تلك الثلاثون ونحن نمد يد الضراعة إلى الله تعالى بأن نكون ممن دخلوا في رحمة أوله ، ومغفرة وسطه والعتق من النار في آخره ، ونسأله تعالى أن يبقينا إلى قابل لننعم بفضائل شهر الخير ومثله رمضانات كثيرة . 
وانصرم الشهر ، وأقبل الفرح والأنس والبشر ، وحل العيد وفرح الناس بصوم الشهر وإدراك العيد ، ولبس الجديد . 

وبهذه المناسبة الكريمة واللحظات السعيدة ، أزف إلى كل من يدخل هذه المدونة ويقرأ سطوري هذه أجمل التهاني ، والتبريك بالعيد السعيد ، وأسأل الله تعالى أن يمتعه بالصحة والعافية ، وينسأ له في عمره ، ويوسع في رزقه ، ويجعل ثوب السعد والبشر ملبسه ، والبسمة ورود أساريره ، والبهجة سندس قلبه وخمائل حياته . 
نعم إليك أخي / أختي القارئ / القارئة ، أزف إليك هذه التهاني وجعله الله عليك عيد خير وبركه ، وأدام أفراحك فيه وما بعده وأعاده الله عليك وعلينا وعلى الأمتين الإسلامية والعربية أعواماً عديدة ومكن لنا ورفع راية الحق وأيد الإسلام وأهله . 

وتقبل فائق احترامي وشكري وامتناني على تواجدك بين سطوري المتواضعة . وإنارتك لهذه الصفحات بضياء قدومك .
وكل عام وأنتم بخير . 



الأربعاء، سبتمبر 01، 2010

رسم الخيال


قد نأوي إلى الفراش ، أو نتوسد عضد ، في لحظة راحة للنفس من عناء يوم شاق ، أو عمل مضنٍ ، أو تتوارى عقولنا في أستار نوم عميق ، فنخلد إلى الراحة والطمأنينة ، وفي تلك الأثناء نطلق العنان لمخيلتنا وذاكرتنا فتبحر في عالمها الخاص ، وتأخذ معها أرواحنا وتخيلاتنا ، فتارة تتوارى في حجب الماضي السحيق ، وتارة تعبر جسور الخيال العتيق ، وعالم الرسم الخيالي البديع الذي لا يستطيع أحد أن يتكهن به سوى تلك الذاكرة التي تدور بين عظام جمجمة الرأس كما نتصور ذلك ، وإن كنت أؤمن بأنها روح تنطلق في عالم الخيال كأنها هواء أو سحابة ثقيلة محملة بالغيث والبرد تسير ببطء شديد في عنان السماء ، فتجوب تلك الذاكرة عالمنا الخيالي ، فننقاد خلفها أو نسير معها وهي تلقي إلينا بحدود الصور ومعالم الكيفية التي يجب أن نرسم فيها لوحاتنا الخيالية الفنية ، التي نضعها لأشخاص قد نعرفهم أو لا نعرفهم ، فنبدأ نرسم لهم لوحات فنية خيالية كما نشاء ، ونبهرجها ونرصعها بشتى أنواع الفسيفساء الجمالية ، الخيالية ، وخطوط الجمال والإبداع اللامتناهي ، حتى تبدو تلك الصور للأشخاص الذين نعنيهم وأدخلناهم إلى عالمنا الروحي والجمالي في أبهى وأجمل صورة ، لأننا نحن من رسمناها كما نريد وتأملنا أن تكون كذلك ونتمنى ذلك ، فنعيش معها في عالم بديع وجميل ، لا يراه أحد سوانا . 

ورغم أننا لا نعرف هؤلاء الشخاص تماماً بل أبداً إلا أننا تعرفنا عليهم عبر وسيلة ما وارتبطنا بهم بطريقة ما فأخذنا نرسم لهم تلك اللوحات الجميلة ، ونحتفظ بها في ذاكرتنا ونجعلها في واجهة أيامنا وحياتنا ونحن نريد أن تكون صورة ناصعة جميلة ، فما نلبث أن ننطلق ونخرج من عالم الخيال إلى عالم الحقيقة وقد علقت تلك اللوحة في عقولنا وبقيت خطوطها ماثلة أمامنا فننطلق في الحقيقة للبحث عنها ، وفي نفوسنا شيء من الوجل والخوف بألا تبدو لنا تلك الشخصيات التي رسمنا صورها وهمياً في خيالنا كما نريد ونشتهي ، ونبقى حينها نردد أسئلة محيرة ولا نعلم كيف نجيب عليها عندما نجد شخصيتنا على أرض الواقع والحقيقة ، ونخشى أن تظهر بخلاف ما رسمناه لها ، ونتساءل ماذا سيكون موقفنا لو رايناها ووجدناها أقل من رسمتنا الخيالية ، هل سنعترف ونعرف بأنفسنا أمامها أم نواصل السير بجوارها دون أن تعلم أننا من رسم شخصيتها وحبر ومثل جمالها وظلل خطوطها وكحل عينيها ، وحمر خديها ، وأضمر خصريها ، ومشق قامتها ، وجعلها تتثنى غنجاً ، وتميل طرباً ، وتتيه حسنا . 

وماذا لو وجدناها أجمل مما كنا نتوقع ، ونجد أن رسمنا قد اختزل الكثير من تلك الجماليات والمحاسن ولم تظهر لنا ذاكرتنا ومخيلتنا تلك المفاتن التي رايناها للتو .

إننا نتخيل ونرسم ، ونرسم ونتخيل ، ويختلف الحالان بين هذا وذاك ، فعندما نتخيل لنرسم نجهد أنفسنا وخيالنا بالخوض في أمواج الجماليات والإبداع لتظهر رسمتنا كما نريد ، أما عندما نرسم لنتخيل فربما ننفذ ذلك على عجل فتظهر الصور أقل مما نريد أو يريد الآخرون . 

ولكن الصور الخيالية هي الجمال وهي الباقية مهما ظهرت الشخصية في الحقيقة وستبقى من أجمل الأشياء والصور الماثلة أمامنا لأنها قد ارتسمت في عقلنا الباطن ورسخت في حنايا النفس .

الثلاثاء، أغسطس 17، 2010

من الخطاب إلى الغياب ( صراع بين الكينونة واللاوجود )



من الخطاب إلى الغياب

( صراع بين الكينونية واللاوجود )

إنها السنن تخط أقدارنا وتحدد مسارها ، وترسم طريقنا على شرعتها ومنهاجها ، لا يحيد عنها أحد ولا يستطيع أن يعذلها أو يغير في قوانينها ، أقدار كتبت في الأزل وآمال نتطلع إليها ونسير نحوها على عجل ، فمنا من يجدها ومنا من يراها قد عادت إلى غياهب الأزل ، وصارت عنه في معزل ، فيقف مكانه في حيرة ووجل ، لا يستطيع أن يصل إليها ولو كثرت لديه الحيل .

كنت أخاطبها بأناجيكِ وأعشقها بأعشقكِ ، وأحبها بأحبكِ ، وأهواها بأهواكِ ، وأغار عليها بأغار عليكِ ، حتى اندمجت الروح في عالم الخيال بخيال أمل وصنعت منه كينونة موجودة تسعى نحوها لتحظى بها وتحققها ، كانت الروح تسبح في عالمها وترفرف نحوها بجناحيها ، حتى تجدها في مكان ما من ذلك الفضاء الواسع ، كانت ترى روحها على خط الأفق البعيد ، تتوهج بضياء هادئ حالم ، كأنها كوكب دري ، فتهفو إليها كما تهفو الفراشة إلى بصيص الضياء وتحلق نحوه وتحط عليه ، أو من حوله .

فلما وصلت إليها وجدتها مجرد ضياء وهمي قد زالت عنه هدأته وروعته وضعف توهجه ، وبهتت صفحته ، فتقدمت إليه ومدت يدها لتلمسه وتتحسس جسدها وتشعر بدفئها ، فإذا به ظلمات ورعد وبرق ، كلما أضاء لها تقدمت نحوها خطوة وإذا أظلم توقفت مكانها ، حتى استعادت يدها فإذا بها قد احترقت ، ونظرت إلى تلك الروح قد ولت وهربت ، وتوارت من جديد ، وانطلقت إلى عالم اللاوجود ، وسكنت فيه إلى الأبد ، وتركت فضاءها بما فيه ، كانت تعيش فيه مجرد سراب تبدى في أرض خراب ، فعادت الروح منكسرة محترقة ، باهتة اللون شاحبة الوجه ، نحيلة الجسد ، خائرة القوى محطمة النفس ، خائبة الأمل .

فتحول الخطاب فأصبحت أناديكِ أناديها ، وأعشقكِ كنت أعشقها ، وأحبكِ كنت أحبها ، وأهواكِ كنت أهواها ، وأغار عليكِ كنت أغار عليها . وانقلب الخطاب من الخطاب إلى الغياب حتى انتهى تماماً وانكفأت النفس وعادت تلملم شعثها وتجبر كسرها ، وتحضن جسدها وتعزيها .

وهكذا انتهى ذلك الصراع الدائر بين أن تكون الكينونة موجودة أو يكون الوجود لا وجود فكانت الأخيرة ، وانتهت الكينونة وذابت في عالم اللاوجود .
فوداعاً لها أبدياً يبقى خالداً على مر العصور ، وإن أشرقت شمسها مرة أخرى ، فيكون جسراً مثلوما يخر عندما تريد العبور ، وسوراً عالياً وسداً منيعاً ، فقد عزت النفس وتعزت ، وضمدت جراحها وإن لم تندمل ، وبقيت تحت رماد الزمن تهيج في كل حين في صور من الذكرى المؤلمة ، وأحلام قاتلة ، وآمال باهتة غامضة .

ووداعاً أبدياً لا لقاء بعده كما ودع القيصر آسيا الصغرى بعدما لاح نور أضاءت له بصرى من أرض الشام ، ووداعاً كما ودع كسرى عرش فارس بعدما خمدت النيران وسقطت شرفات الإيوان ، ووداعاً ياملهمة كانت تتنقل بين سطوري كما تتنقل الفراشة بين الورود والأزهار . ووداعاً كما ودعت الروح الجسد وشخصت إلى بارئها .

وسلام عليها وإن رحلت ، وسلام عليها في غيابها ورحيلها ، وحياتها وموتها ، وفي الجب الذي هبطت إليه وفي العالم الذي انضمت إليه . - وسلام عليها يوم ولدت ويوم تموت ويوم تبعث - مرة أخرى .


الثلاثاء، أغسطس 10، 2010

لا تعودي



لا تعودي فقلبي جرح غائر ولن أسكنكِ بين الجراح .
لا تعودي فقلبي في جناحي طائر وبلا مأوى ولا مراح .
لا تعودي فقلبي من جفاكِ حائر فكيف تعودي إلى صخب النواح .
لا تعودي فقلبي لعشقكِ هاجر وإن لم يكن 

لي عن هواكِ براح .
سكن القلبُ وانطوى على جرحه 

فلا تعودي لنكء الجراح .
سهرتُ .. انتظرتُ عودتكِ لأشكو إليكِ هجركِ وحبكِ .. وصدكِ ..
فطال غيابكِ فهام فؤادي وما استراح .
عجباً كيف عشقتكِ في الغيب وفي المجهول همتُ بكِ وتناغم همسي مع همسكِ
ورأيتُ في وهج اسمكِ ضياء الصباح .
تواري وللأبد اختفي واتركيني أهيم بكِ وحيداً ولا تعتذري إن تذكرتِ يوماً أنكِ من نكأ الجراح .
وتذكري أنكِ قد قلتِ يوماً أنكِ قد أزلتيني من مساحاتكِ وأزلتِ من ذكرياتكِ صورتي وهجرتِ قراءة رسائلي وخواطري فيكِ فلا إعذار ولا سماح .

فقلتُ جدلاً إنها من الغضبِ فورة ومعاتبة العشاق فزاد قلبيَ بكِ كلفاً .. وتحدر دمعيَ على أوجاني ، وتعالت في الصدرِ حشرجة وأظلم في عيني الصباح .
وإن عدتِ فلن أهجركِ ولن أخذلكِ وستهفو إليك النفس ويطير القلبُ إليكِ فرحاً ثم يموت من صحوِ الجراح .
ويكبو وهو في الطريق إليكِ لأن كاهله بالأحزان مثقلة .. ومن جراحه قواه خائرةٌ .. وأنا من ظلمكِ جثة هامدة .. وكياني دولة متهالكة .. دنى من زوالها حكمُها كما يدنو من الليل الصباح ..

فماذا تريدين من عرش أنتِ من قوض حكمه وأهدرتِ قوانينه وشريعته .. وعثتِ في أرجائه ورسمتِ على جدرانه دمية الأتراح ..

الثلاثاء، يوليو 27، 2010

ما الذي يحدث فينا ؟

أشعر هذه الأيام أنني ليس كما أنا فيما مضى ، أجد الكلمات كأنها غاضبة مني تتمنع عني لا أدري لماذا لم أعد أشعر كما أنا لا أدري هل هو المرض أم تلك الهموم التي أجدها تنوء بي وتثقل كاهلي وتقض مضجعي ثم استولت على صفاء الفكر عندي حتى صرت أبحث عن أسباب الكتابة على غير عادتي .. 



ما الذي يحدث فينا عندما نصبح عاشقينا .. عندما يصبح القلب تائهاً في دروب العاشقينا
عندما يتألم عندما يردد لحناً شجينا .. عندما نهوى كلمات العشق ونألف العزلة حينا .
ما الذي يحدث فينا عندما يصدح العصفور بألحان الحنينا .. عندما يبلل الأزهار ندى في ليالِ العاشقينا .. وتهب نسمة الوادي وضياء البدر يبعث الأشجان فينا .
عندما يسكن الليل وتسري لوعة الأحزان فينا .. واللهيب في الحنايا وذكريات تعزف لحناً حزينا .
ما الذي يحدث فينا عندما تأوي إلى الغروب شمسنا وطوتنا آهات السنينا ..
فيا لوعة الفؤاد وياكربة من فرقى الضنينا .. 
ما الذي يحدث فينا عندما تتعاقب الأيام علينا .. وتنطوي في عالم النسيان ذكرى العاشقينا
عندما تغرد الأطيار فرحاً وتهيج الأشجان فينا .. فنعود للذكريات وحنينها ثم نبشت ما قد نسينا .. 
عندما يسري في سماء الأنس بدر يبدد الليل الحزينا .. عندما أنظر إلى وجنتيه لم يكن ذلك الوجه طينا ..
بل ملاك خلق من نور يتلألأ  ويسر الناظرينا .. فأظل فيه في تأمل حتى أخشى عليه الناظرينا .
ماذا يحدث فينا عندما نصبح عاشقينا .. فيعود القلب طفلاً صغيراً ينشد الحب والوصل في صخب الأنينا .

الاثنين، يوليو 26، 2010

وبعد يا باهي المحيا ما سبب نقض العهود ياباشات الغزلان يامن لك جميع الغيد جنود .
خليتني سهران وارضيت العواذل والحسود تركتني في حبك اجري في التهايم والنجود
أهيم في الوديان من هجرك وفي راس الحيود فما سبب تنكر محبك من بروحه لك يجود .

وانا مرجي أن اقبالك وحبك لي يعود تسامح المملوك ولو قد كان عقر ناقة ثمود .
لو خيروني في من نعمان لداخل زرود والروم وارض الصين ما فيها جميع وارض الهنود
وارض اليمن والشام إلى اطراف العجم وارض السنود .. ما اخترت إلا أنت يا من طالعك سعد السعود
جعلت حبك مذهبي بين الشوافع والزيود .

السبت، يوليو 17، 2010

شمسي بين البزوغ والأفول ..

( أعتذر من أحبابي وقراء مدونتي الكرام عن الانقطاع الذي حدث وربما أنه سيستمر قليلاً نظراً لبعض الظروف التي طرأت ولكن لن يدوم بإذن الله وسأعود ولكن بإشراقة أخرى ... ( سيكون لي رد يليق بذلك التعليق الكريم إن شاء الله ) .

لم أعد أشعر أنني أريد التحدث عن الحب ، رغم أن بين جوانحي قلب محب ، وفي جسدي روح على جناحي طائر تبحث عن روح أنثى مفقودة من كياني ، ولدت لتكون قدري وعذابي ، ومأوى لفؤادي .
أحببتها كما هي في عالمها المجهول ، لا أدري كيف هي هل هي جميلة ، وهل هي بيضاء أو سمراء أم بين ذلك ، ولكنني رغم ذلك أحببتها ، قد يبدو ذلك غريباً للبعض من الناس ولمن لا يدري عن كيفية ذلك وقد يصمني بالجنون ...

أحببتها في الوجود واللاوجود ، في الكينونة والعدم ، في السر والعلن ، أحببتها خيالاً ، أحببتها وهماً ، أحببتها نسياً منسياً ، أحببتها بشراً سوياً ، أحببتها أنثى غامضة ، أحببت طيفها يعانق  السماء ، أحببتها كظلي حين يلازمني . 

ولكن رغم كل هذا الحب الذي كان ولا يزال لم أعد أجد الرغبة في الكتابة عن عشقها أو حبها ، لم أعد أشعر بالكلمات تنساب إلي من أجلها ، أشعر بأن نهراً كان ينساب إلي من شطرها قد نضب وجف ، وتناثرت الكلمات وتبعثرت ، وجفت الأوراق وارتفع اليراع ، لقد دنت شمس حبي من الأفول وآذن ليل طويل بتكفير عالمي والانسدال على حياتي ، ولفي في ردهات الغموض ، وزجي في طرقات الماضي الباهتة المتهالكة . 

أتيت من عالم مجهول وسأعود إليه كما تعود الطيور إلى أعشاشها عند المساء ، ولكن ليلي سيطول وستطيل شمسي السير نحو الشروق وربما ستتوقف وتمتنع عنه إلى الأبد . 
ولكنها ستتيح للقمر البزوغ في سمائي بنوره الهادئ الحالم ، وترسله يشق عنان السماء يسير بين الكواكب والنجوم والثريا في جنح الغياهب ، يبدد ليلاً طالما كان حالكاً ، بأنواره الباردة الهادئه ، وصفحته الجميلة الوديعة ، فيستقر فوق أطلالي فأدون على نوره مذكراتي وأشتكي إليه آلامي ، وأتخذه صديقاً وحبيباً وصاحباً وخليلاً ... 
سيبقى عالمي ليلاً يسلبه القمر سكونه ، ويكسوه بوقاره وهيبته وهدوئه .. وسأخالف امرأ القيس في قوله : ألا أيها الليل الطويل ألا انجل بصبح وما الإصباح منك بأمثل وسأقول : ألا أيها الليل الطويل فلتبق كاسياً للكون ولا تدع القمر يغادر إلى مغاربه واقتبس من نوره ، ودعني أرقبه يتخلل الأشجار ويشق الغيوم  ويتخللها بطلعته الجميلة .

الأحد، يوليو 11، 2010

ليال البعد





عذبيني ياليال البعد والهجر المجيد 
عذبيني وعذبي قلبي اصنعيني من جديد

الخميس، يوليو 08، 2010

عزيزتي :

سلام واحترام ..
سأبدأ الرسالة من عند قولكِ : أعلم أنني أتخطى ... لأفتح لك الضوء الأخضر وأفتح لكِ منافذ الحدود ، وأقتلع السياج لتعبري من أي فج شئتِ فمدونتي أرض أرجو أن تكون خصبة لكِ وتجدي فيها ثمراً يانعاً ، وإن كانت في غاية التواضع والبساطة ، فسيري في أرجائها كما شئتِ فذلك يسعدني ويسرني كثيراً كما تسعدني القراءة في سطوركِ البديعة . 

سيدتي : كنت قد أعددت الرسالة الأخيرة التي أتوقع أن ترى النور في اليومين القادمين إن شاء الله تعالى وهي حالياً بعنوان ( لا تعودي ) وربما سأضع لها عنواناً آخر لعله يكون أفضل دلالة على المضمون . 

سيدتي : قد نكره على أسباب الرحيل أو تفرض علينا فرضاً في حين أننا نسعى لدرئها ودفعها وقد نهدر في سبيل ذلك كرامتنا ونريق ماء وجوهنا ونتنصل من حيائنا ونضع كل ذلك فداء لمن نحب ونجعله رخيصاً في سبيله ، لأننا نؤمن عندما نحب إيماناً قاطعاً بأنه يستحق ذلك وترخص في سبيله القيم وتتغير المبادئ وتختفي بصفة مؤقتة كما نظن ، لأننا نعتقد بأن من نمنحه ذلك سيصبح يوماً جزءاً منا ونرتبط معه بروابط مقدسة لنجد ما أهدرناه في سبيله وضحينا به من أجله محفوظ عنده وسيعيده أو يستبقيه كجزء من كيانه ويبقيه في عهدته فأصبح جزءاً منه وانضم إلىى جناحه ، ولعل من أجل ذلك لا كرامة للمحبين لأنهم يأتمنون من يحبون على كرامتهم ويمنحونهم إياها تضحية وإثباتاً لصدق معتقدهم ومذهبهم ، وصفاء نياتهم تجاه من يحبون ، متجاهلين المجتمع بل العالم بأسره غاضين الطرف مقنعي رؤوسهم ، لأنهم يؤمنون بالتضحية من الحبيب . 

سيدتي : قد يعطي المحب بدون مقابل روحه وقلبه وحياته ، وسعادته ، وكل ما يملك غير مبال ولا مكترث للعواقب ولا يفكر في الثمن رغم أنه من يمنح ثم يدفع الثمن ، فيا لحسرته عندما يعلم أن ما قدمه قد ذهب جفاء . 
لقد كانت ملهمتي ، وكلماتي تتدفق علي سراعاً عندما أدير دفة الفكرة والتفكير فيها فأجدني أغترف من ينبوع عذب وأسير ونهر جار من الثراء في الكلم والخيال الخصب ، فسطرت هنا وفي أماكن عدة أسمى معاني الحب ، لا ابخل عليها بشيء حتى وإن كان في بعضه تذلل واستهانة ، وإهدار كرامة ، وما ذلك إلا لأنني أنطلق من قاعدة ( لاكرامة للمحبين ) في سبيل من أحبوا ، فهم قد أهدوا وأهدروا أيضاً وذلك شرعة ومنهاجاً في دولتهم وقوانين يحكم على من خالفها بالغدر والخداع والكذب والخيانة . 
أفلم يأن لي أن أقصر وأحتفظ بما تبقى خصوصاً عندما أتطلع في الأفق وأستشرف المشارق والمغارب ، وأقف على رؤس أصابعي لعلي اراها وأصيخ بالسمع منصتاً لعلي أسمعها ، وأترقب وأحتال على الأخبار لعلي أجد على النار هدى أوجذوة أصطلي بها من برد الجفاء والهجر والصدود ، ثم جلست على قارعة الطريق وفي مفارق الطرق لعلي أجد لدى المارة خبراً ولكن لا داعي ولا مجيب ( إني وقفت بباب الدار أسألها عن الحبيب الذي قد كان لي فيها .. فقلت يا دار أين احبابنا رحلوا وأي أرض ترى هم خيموا فيها .. فما وجدت بها طيفاً يكلمني سوى نواح حمام في أعاليها ، أجابني الدار يا مسكين قد رحلوا وخلفوني على الأطناب أبكيها ... لله در القائل ) .. فأزداد ياساً واقتناعاً بأنها تريد ذلك وتتعمده .. نعم هي تريد ذلك .. فأنا أفهمها جيداً ولكن لابأس لها ما  تريد إذا كان ذلك يرضيها ويسعدها فما يهمني هو سعادتها أياً كانت العواقب . 

إنني أتوقف عن كل شيء كما توقف عني كل شيء ، اليراع ، الكلمات ، الهمس الذي كنت أسمعه لها ، طيفها الذي كان يزورني في إغماضتي ، حتى روحي التي كانت تنطلق في الآفاق بحثاً عنها أو ساعية للقاء روحها أشعر أنها قد توقفت في مكان ما من الفضاء وتجمدت في مكانها . والمعاني أحجمت عني فبُهِتُ وأخذ مني الإعياء كل مأخذ ، ولعلك تلاحظين ذلك في ما أكتبه مؤخراً فلم يرق للمكانة التي كنت أنشدها وأطلبها ، ولا أجد الرضى به ، ربما هي أوجاع المصاب الجلل . 
سيدتي تلك هي رغبتها أنا مؤمن بذلك فأنا الذي يفهمها ..
نعم متصفحها لا يقبل الأخذ والرد .. 
شكراً لكِ سيدتي فوجودكِ بين سطوري يسعدني كثيراً ثم أعتذر منكِ فقد أجبتكِ باختصار .

الأربعاء، يوليو 07، 2010

لن أسكنكِ بين الجراح .



 الوداع الأخضر

لست غاضباً ولكنني أودعك .. لست غاضباً ولكنني أنساكِ .. لست غاضباً ولكنني أبتعد عنكِ . 
لست غاضباً ولكنني أتدثر بثياب الحزن والأسى ، وأتجرع كأس المرارة والندم ، وأرتع بين خمائل الهم والألم ، وأتجرع كأس المرارة والحرمان ، وألعق الصبر وأعض أصابع الندم والويل والحسرة ، وأتقلب على جمر البعد والفقد والحرمان . 

أخرجت قلبي فرضاً وكناية واستعارة ثم وسدته بين يدي وتأملته وتفحصته فوجدته قطعة من الدم العبيط قد تحول لونه إلى اللون الأسود ، ثم قلبته بين ذراعي كما يقلب الأب الحاني فلذة كبده بين يديه ميتاً ، يغسله ويكفنه ودموعه تنهمر من مقلتيه بغزارة ، فتختلط مع ماء الغسل فصار يغسله بدمع ممزوج بالماء ، وقلبه يتحرك بين أضلعه يكاد يقلع من مكانه .. 
لقد وجدته جثة هامدة متقطعة بل متكسرة متحطمة يتفتت بين أصابعي كما تتفتت كرة الطين اليابسة ، وجدته حياً وليس به حياة ، وميتاً ولكنه لم يحظ بشرف الموت وراحته فيرتاح به ، أنينه أزيز ، وتنهداته لها حطيم ..
ياه .. ويا آه .. كم تحتبس الكلمات عليَّ وكم تتسارع ، لقد أصبتيني في مقتل يا تلك .. 
وأرديتيني قتيلاً وجريحاً معاً ، قتيل ولست بميت وجريح ولست بمندمل الجراح .

إنني أودعكِ وقلبي يتفطر وكلماتي تحتبس مني في الحلقوم وأغص بها غصة تكاد تخنقني كأنها صخرة عاتية استعصت على زبر الحديد.  
ظللت أبحث عنكِ وأنتظركِ وأترقب ، وأتأمل منكِ عودة وإقبالاً علي من جديد ، وقفت في مفترق كل طريق أنتظر قدومك وعودتكِ ، وجلست أسامر الليل واناجي القمر وأسأله عنك وأتأملكِ في صفحته ، أنتظر منكِ رحمة ، وحناناً ربما افتقدته من صغري فظننت أنني سأجده عندكِ ، ولكن انتظاري طار وبعدت الأيام والشقة ، وزاد الشقاء والضنى ( يا احبابنا زاد الضنى وزاد شوقي واللهيب .. ما قد  نزل لي زادنا حتى ولا قطرة حليب ، ) فبدأ قلبي يموت ويفنى ، وجراحي تغور وتتسمم وتتعفن والداء يسري في جسدي ، وروحي تتصاعد في أوصالي تصارع لتخرج ولكن ذلك بقدر ، والزهر يذبل في بساتيني ، والشجار تموت في حدائقي ، والنجم كالعصف في خمائلي ..

نعم لقد مات قلبي وأنتِ من قتله ، ولم أتلق فيه عزاء أو مواساة ، لقد مات كما يموت التائه في الصحراء ، أو الحيوان في العراء ، لم يعزيني فيه سوى كياني ونفسي وأنحائي ، ولقد كفنته ثم دفنته في صدري دونما غسل فهو في نظري شهيد محرابكِ فلله هو من شهيد .

بدأت كلمات الحب والغرام تغيب عني وتهجرني ويراعي ينفر مني عندما أريد أن أخط به كلمات الحب ، وفكري يخونني عندما أشرع في تفسير مغانيها ويتركني ولا يسعفني بالبحث عن أجمل معانيها ، وأصبح يمنحني الغث منها دون السمين والجُفاء ، ويحرمني ألذ وأجمل المعاني وكلما سألته وتساءلت يجيبني بأنكِ لا تستحقين أدناها فكيف يمنحني أعلاها ؟! 
كل شيء من حولي اختلف علي وتخلف عني وتغير وجفا وتحير وهجر وتعذر . . 
على أطراف أطلالكِ رفعت راية خضراء ترفرف في وسط الرياح ودونت عليها كلمات الوداع الأبدي وفراق غير وامق ، يرفرف بآيات الحزن والحرمان ، وصور الجراح التي تثعب بدم الصد والهجر والجفاء تعلوه  ... 
لقد وضعت قلبي تحت ضوء الشمس وتركته تحت ضيائها وحرها وهجيرها حتى جف ويبس وقسا وتصلب وتجمد حتى صار صخراً قاسياً وجلموداً يابساً ، فتصلبت أبوابه مغلقة ، وتهدمت نوافذه واستغلقت فتحول إلى كتلة صخر قاسية باطنه كظاهره وظاهره أرض جرداء لا حياة فيها ولا ماء ، ولاعشب ولا هواء وتحول من قلب عاشق محب إلى قلب ناسياً قاسياً يقسو ويصارع وياوم كل معاني الحب ويرفضها ويتحلى بصفات الأعرابي الجلف أو الحاكم الظالم الجائر .. 

أترين كيف حولتِ حياتي وكيف قلبتِ كياني ، وحولتِ حياتي إلى ساحة للصراع والخلافات ومسرحاً للمعارك والحروب النفسية ، ثم تخليتي عني وتركتيني أصارع وأقاوم الحرمان وأتقلب في بركِ العذاب والألم .. 

إنه الوداع يا تلك .. نعم لقد قررت وأصررت ، فلا تعودي إلي لو خطرت لك فكرة أو لاحت في نفسك بادرة ، فلم يعد في قلبي لك متسع رغم أنني أحبكِ وأعشقكِ ولازلت كذلك نعم لقد أحببتكِ حتى زاد الحب عن حده وتماديت فيه وأفرطت فيه أيما إفراط وأسرفت في التقرب إليك أيما إسراف ، وفي الأثر ما زاد عن حده انقلب ضده .. 
لم أعد أرغب أحتمل العذاب والحب المجهول رغم أنني لازلت أحبكِ ، ولكنني قد قسوت وأريد أن أكون كذلك ، أريد أن أجد قلبي قاسياً ظالماً ، يحاسب ويعاقب ، ويعفو وينتقم ، لم أريده ذلك القلب المحب الخالص ، يبدو أن الزمن لم يعد زمن الحب والعشق والغرام ، ولعلي كنت أعيش في عصور قد خلت وتلبست بثوبها القديم على جسد جديد ، لم أعد أريدك ولا أرغب فيك .. ليس كرهاً ولا نكراناً ولا هروباً ولكن قلبي لم يعد يحتمل فقد أثخنته الجراح وأوهنته الليالي والأيام العصيبة ، وأضناه الفراق والجفاء والهجر والبين .. 
إنه جرح بحد ذاته وداء في سماته ، فكيف يشفى المرض من الداء ؟ 
سامحكِ الله لقد قسوتِ علي وظلمتيني وجرعتيني من الحمام كؤوساً ، وأسقيتيني من الهجر تعاليلاً ن واريتيني من العذاب صنوفاً ، وحملتي قلبي فوق طاقته  وكنت قد نبذت كل ملذات الحياة من أجلكِ ، وكدت أخسر من حولي من أجلكِ ، ولا زلت مصراً ومراهناً على حبكِإلا أنكِ افسدتِ علي رهاني وجعلتيني صغيراً ..
إنكِ تتجاهليني وتجافيني عمداً وجوراً وظلماً .. وحق لي أن أنفذ بكرامتي فلا حب بدون كرامة ن ولا كرامة بدون حب ولا حب بدون تضحية ولا تضحية بدون إخلاص ووفاء .. 
لا تعودي ..  فقد تناسيتك وما كنت ناسياً ..
لا تعودي فقد اعتزلتكِ واعتزلت الحب .. 
لا تعودي فتنكئي الجراح مرة أخرى ، وتريقي دمي بعدما توقف وجفت قنواته .. 
اتركيني أحلم بكِ من بعيد .. 
لا تعودي .. فقد صار قلبي جرحاً غائراً ولا أريد أن اسكنك بين الجراح ..

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More