الثلاثاء، يونيو 21، 2011

ذكريات الغيوم



في روضة الحب التقينا ، وعلى رباه جلسنا وتناجينا ، 
وظلاله تفيأنا ، وفي رحابه أقمنا وأنصتنا لألحانه وشفنا مسامعنا بأنغامه وعزف أوتاره .
أظلتنا سماؤه الصافية ، وأقلتنا أرضه الزاهية ، واستنشقنا عبير وروده المنتشر في أرجاء أرضه ودياره ، يعطر الجو ويعبق في الأنحاء .

فتحدثنا وتناجينا ، وتبادلنا كلمات الحب ومعاني الغرام ، ولم ندع كلمة من كلمات الوداد إلا بحثنا عنها وزينا بها مجلس الحب ذاك ونشرناها في الأفق ، وصعدنا بها عنان الفضاء ، ودبجنا بها تعبيرنا ولفظنا ، فتفتحت أبواب قلبينا على مصاريعهما وسرت نسمة الحب في أرجاء مجلسنا ، وداعبت أزهار أطلالنا وحديقتنا ، حتى إذا لامست أوراقها دبت في أوصالها الحياة فاهتزت وتراقصت كأنها عذراء في عنفوانها تتثنى ، وفي جمالها تتيه وتتغنج . وتتمايل وتزهو ، وتفتحت الأزهار كأنها بسمة البراءة على محيا رضيع في أحضان أمه يتقلب في حجرها الدافئ الحاني ، بأمان وحنان .

ومن فرط الغرام الذي تغلغل إلى أعماقنا واجتاح أحاسيسنا والهب مشاعرنا اهتزت أرض أطلالنا وربت وأنبتت بالذكريات وتغنت طرباً أطيارها من لفظنا بأجمل العبارات ورددت معنا الفرح وأهازيج الأمنيات .

لقد أنشأنا نحن الاثنين مملكة للحب عتيدة وبحصونها عنيدة شديدة ، حتى اصبحنا كروحين في جسد واحد ، فساد في ارجاء مملكتنا الأمن والأمان ومد الاطمئنان بجرانه على ساحات تلك الأطلال وعلى أعشاب أرض حبنا المعطاء .. وهكذا الأيام تلو الأيام .

يا روعة الأيام ويا لروعة الذكريات .. براءة ملأت الكون بنقائها وارتسمت بسمة مليئة بالطهر والصفاء على شفاهنا ومحيانا .

إنها خلاصة العمر وروعته ، وصفاء الأيام ، وعنفوان الشباب في نقاء السريرة وبراءة الطفولة
وفتوة الصبا وغاية المنى ، اليوم يمضي سجالاً بين الشمس والغيوم ، كأنهما طفلين يتسابقان على لعبتهما أيهما يفوز بالسبق إليها ويظفر بها ، ليعلن النجاح ويبدي نشوة الانتصار .
فتارة تطغى الغيوم بعدما يعززه الوادي من فجه العميق ، ويدفع به نحو القمة وينثره في عنان السماء ، فيسجي الشمس بغطاء كأنه العهن المنفوش ، أو كأنها لبسة العروس في ليلة زفافها .
واكتست السماء حلة بيضاء غطت الشمس فيها وجهها كتغطية وجه العروس ، وتهمس من خلالها وتسعى لأن تبدد ذلك الرداء وتكشف عن وجهها بضيائها المتلألئ الفتان ، من خلف الضباب فتشكلت في السماء حلة مرصعة بأغلى ورِق .

وتارة تنتصر أشعة الشمس فتخترق ذلك الضباب وتتكشف عنها الغيوم التي طرزت السماء فتلقي بأشعتها كأنها أطواد من الذهب سقطت على الأرض من السماء وتوطدت في الأرض .
وتكونت معزوفة كونية غاية في الجمال تعزف على أوتار الطبيعة الخلابة العذراء .
واجتمعت الشمس والضباب بوئام وألفة كأنهما مزيج من الذهب واالفضة وضع في إناء من الزجاج الصقيل .

وهكذا سجال بين الشمس والغيمة وتارة يتقاسمان الطبيعة .
وأنا وأنت بينهما نرسم ونخلد تلك الأحداث وندونها لتكون منطلقاً لذكرياتنا
ومعلماً لأطلالنا ، ونعود إليها في الذكريات وننطل منها كلما شعرنا بفتور أو مرت لحظات
لم ترتسم في الخيال .

أتذكرين من ذلك شيئاً .. ؟
عودي بذاكرتكِ إلى رحم الأيام الخالية ، وضعي روحكِ وإحساسكِ في أحشاء الأيام ،
ثم اجلسي في مجلسك الذي كان منها .. تحت الشجرة
وعلى حافة المدرج المعشب .. اجثي على ركبتيكِ كما كنتِ تجثين أمام العشب
لتداعبيه براحتيك .. خذي مظلة كتلك التي كنتِ تتقين بها قطرات المطر ذات مساء
ولفيها بين راحتيك كما كنتِ تفعلين ذات ليلة تحت زخات المطر على ذروة التل .
وأنا واقف تحت المطر أتبعكِ وأرقبكِ من بعيد بقلبي .. ثم ابعثي مشاعركِ بعد موت من جديد
وانفخي فيها روح الحب لتعود إلى جسدينا وتمتزج بدمائنا وتوقظ مشاعرنا وتلامس أحاسيسنا
وتزيل غبار الزمن عن كاهلينا وعثرة الليالي من طريقنا .

ثم عودي تارة أخرى وقفي مرة بخيالكِ على شاطئ الوادي الأيمن وارفلي في توب أخضر كذلك الذي كنتِ تتغنجين فيه حتى غارت منكِ ألوان الزروع الخضراء .
ثم المحيني بطرفكِ وستجدين طيفي في ذلك المكان العالي أرعاكِ وأتبعكِ بكل كياني .
واختلسي النظر إليَّ في غفلة من الرقيب وستجدين روحي بين يديكِ وإن كان
الجسد يرمقكِ من بعيد .

قفي بين شويهاتكِ في علية الوادي جانب الشط ثم ارمي ببصركِ
نحوي فسترينني ارعاكِ وأرعاها وقلبي يتدرج في السماء بيني وبينكِ

اذهبي إلى ذلك البستان الأخضر الجميل ، وفي على طرفه
وعودي ببصركِ إلى بابه الصغير وستعود إليكِ ذاكرتكِ وترين أنني فتحته ثم
ركضت غليك مسرعاً لأقف بين يديكِ من أجل أن تعطيني العهد الذي ( خنتيه )
وبه قتلتي في أعماقي قلبي ، ودمرت كياني .

ردود الأفعال:

0 التعليقات:

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More