الأحد، يوليو 04، 2010

دمية صعبة التركيب

 
 
طفلة كنتِ تعيشين في أعماقي ، يزورني طيفكِ في كل لحظة ، في منامي العميق ، فيزيل عني كوابيس النوم المزعجة ، فأعيش معه أحلاماً سعيدة ، أناجيكِ من خلاله ، وأتمتم في سكرات النوم بحديث وكلمات تكاد تكون كالتي يتمتم بها الساحر عندما ينفث في طلاسمه وتعاويذه ، ويصنع أسحاره ولكنها ليست من السحر الشيطاني .. وإنما هي من سحر الهوى وطلاسم الحب ونفثات الغرام .

صحيح أنه لا يفهمها السامع ولكنها تفهمها النفس ، لأنها من نفث الروح وآيات الغرام وكلمات الحب .
يزورني طيفكِ حتى عند الإغماضة اليسيرة كأنه يسترق اللحظات ويستغل البرهات ليزورني ويصل روحكِ بروحي التائهة في عالمك السابحة في بحارك الطائرة في فضائك .

أيام من أسعد أيام عمري عشتها بجوار روحكِ أتلقى وحيكِ وإلهامكِ ، أيام عشتها على ضفاف نهر حبكِ أنهل من من عذبه ومعينه وصفوه ، وهو دائم الجريان من حولي كلما شعرت بالعطش للحب اغترفت منه فلا أرتوي فأغترف مراراً وكلما اغترفت غرفة ازداد عطشي بحبكِ ، فلا أبرح من مقامي وسكنت على ضفافه ورتعت بين خمائله واستنشقت عبيره وأزهاره فنسيت العالم من حولي بأسره ، واختفيتُ في دنياكِ واندمجتُ فيكِ . والتقى نهر حبكِ مع نهري فتعانقا عناق المفارقين المتيمين عندما يلتقيان مرة أخرى ، واختلطا فامتزجا امتزاجاً فظننت أنهما لن يفترقا أبداً ، وأن عناقهما سيتلوه عناق الروح والجسد .

ولكن هاهو نهر حبكِ بدأ يذبل ويجف وبدأ يتناقص من أطرافه ، وأخذت الأشجار والأزهار تموت من حوله والأغصان تذبل والأطيار تهاجر وترحل إلى الأبد ، والنهر ينحسر ويتغلغل في الأعماق ثم يتوارى إلى أبد الآبدين ، بينما لازال نهري دائم الجريان وافر العطاء يتدفق بسخاء وبعنفوان وإصرار ، يجود بكل طاقته ليملأ الوادي ويروي ما تبقى من أشجار وأزهار وينادي في الأطيار أ ن عودي  فلا زال نهر الحب جار .. ( فوا عطشا وهذا الماء جار ويا شوقاه من أهوى غريب ، وما في الناس من حسن ولكن ألذ العيش ما تهوى القلوب ، ألذ العيش قهقهة الغواني ومحبوب يعانقه حبيب ) . ( سألت أحبتي ما كان ذنبي أجابوني وأحشائي تذوب ، إذا كان المحب قليل حظ فيرمي بالسهام ولا يصيب ، وإن يرميه إحساناً وفضلاً فما حسناته إلا ذنوب ) .

كما أشرقت شمسكِ في حياتي فقد بدأت تتقدم نحو الغروب وتسير نحو الأفول ، وتنذر بالغياب الأبدي وسدول الظلام على أنحائي وخسوف القمر في سمائي وتبدد ضباب الصباح وغيوم المساء الممطرة وجفاف الليل من قطر الندى .

بدأت الذكريات تتحول إلى كوابيس مزعجة ورعشاة النوم المستمرة وتمتمات الفقد وأنات الحنين تقض مضجعي وتبدد أحلامي .
( فين الليالي الملاح ذي غار منها الصباح آح عليها وآح مافي لها من مثيل )
فيا غزال الحما ويا قمر في السماء إرفق بصبك فما له عنك في الكون بديل ) .

كم هي صعبة أطلالكِ كما أنتِ صعبة التركيب ، أتذكرين ( الدمية ؟ ! ) .
نعم أنت صعبة ولكنني أهوى الصعاب وعنيد حتى أرتقيها .

إنني أهوى الصعاب وعنيد حتى أرتقيها .
وأقاسي ألوان العذاب وإن كان مهلكي وحتفيَ فيها .
يا دمية صعبة التركيب ويا مستحيلة بتُ أرتجيها .
عندما انتثرتِ على الأرض قطعاً فعشقتُ هواية التركيب فيها .
وكم عشقتُ لملمة أجزاءكِ فأعيد سيرتكِ فيها .
حتى أراكِ أمامي جسداً ماثلاً وروحكِ فيها أناجيها .
وصورتكِ الحسناءَ في خلدي سلبت لبي ثم انبرت تداريها .
وأطلالكِ في الأجواء قد درست ثم نسجت رياح الشوق روابيها .
فلله كم أهواه من طلل وكم أهوى من أطلالكِ أعاليها .


الأحد، يونيو 27، 2010

أوراق الزيزفون



وتتمادى الأيام في الرحيل  ، وتبتعد كثيراً ، تذهب في صخب ، وضوضاء عارمة ، وجلبة مقصودة وغير مقصودة ، لا تلوي على شيء حتى تتوارى عنا في ردهات الزمن ، وتتسلل من خلال أغصان العمر وغيوم المستقبل تجتاحنا بدويها وترعبنا بغوغائها . 

غريبة عجيبة هي الأيام ، تعيش معنا كأنها طفل وديع ، وتصاحبنا كأعز الأصحاب وأوفى الأوفياء ..  تلاحقنا  .. تسعدنا .. 
تضحكنا .. تجمعنا .. وتدخل الطمأنينة إلى نفوسنا  ، ثم تنسينا كل ما له علاقة بالمستقبل ، بل تطبعه بطابع الأمل العريض ، حتى أننا ننظر إليه آفاقاً واسعة لا حدود لها ولا خطوط تحددها ، رحبات ولا حواجز تحجبها .. وباحات واسعة ، وجنات وحدائق وارفة  . 

تجمعنا .. تفرحنا بمن نعرفهم ، وتزرع في قلوبنا حبهم  ، وتجمعنا بمن لا نعرفهم  ثم تزرع حبهم في أعماقنا وتطبعه بطابع آخر يختلف عن ذلك الذي وضعته لمعارفنا ، ونحن نسير في ركابها بأمان .. بل نسيان وغمرة فرح ساهون . 
نؤمن في قرارة أنفسنا بأن كل ذلك لن يدوم ، وأنه مجرد شعور عابر تخالطه شوائب الهم والحزن عندما تختلط الذكريات في حياتنا وفي ذاكراتنا ، كما يختلط الدم بالفرث ، واللحم بالعظم ، أمور مختلطة متلاصقة ، تبدو كأنها في صراع أبدي لتنفصل عن بعضها حتى تعيش على انفراد دونما تعكير أو إزعاج قذى .. ولكن هيهات أت تنفصل أو تعيش دون صراع .. ولكننا نتمادى في إظهارالسعادة والفرح الذي ندرك أنه لن يدوم .. بل ندخل في متهاهات ودهاليز إمعاناً في إبداء السرور والسعادة .. 
فنخوض قصص الحب ، والصداقة ، وكل تعاملات الحياة الضرورية ، التي نحاول أن نقنع بها أنفسنا بأنها هي الجانب المضيء في حياتنا ، ونسير على حافة جانبها المظلم بحذر شديد ، ولا نأمن أن تنزلق إليه أقدامنا . . وهناك من تلقي به ريح الحياة منها في مكان سحيق ، فيبقى يسبح ويغوص في خضمها وتتقاذفه أمواجها العاتية ، وقد يكون محظوظاً إذا قذفته تلك الأمواج إلى البر وهو سليم الروح والجسد . 

وتمر بنا الأيام .. فعشنا قصة حب لا تكاد تلم بوصفها الكلمات ، ولا تأتي على معانيها العبارات ، ولا تنفد في وصفها أبحر الكلمات ، فتعمق في نفوسنا وتغلغل إلى أعماقنا ، وثبت في قلوبنا كما ثبتت في راحتينا أصابعنا ، وأمنا الأيام ، ونسينا مكائدها وطلاسمها وسحرها ، حتى ظننا أننا قادرون على الصمود أمامها ، وكبح جماح غيها وصلفها ، ولم نحسب حساباً لما بعد ذلك .. 

ورحلتْ .. وابتعدتْ .. دون إنذار .. ولا أي توضيح أو تفسير .. 
توارت في ضباب الزمن .. وأشجار الأسى . 
وأغصان الحزن .. وجذوع الزيزفون وتدثرت بأوراقها القلبية ، وتضاءلت في لون لحائها الرمادي  . 
وانطوت بين أزهارها الصفراء الباهتة ، فتلونت حياتي ونفسي بتلك الألوان ، رمادية باهتة ، ثم صفراء فاقعة ، ثم عادت وذبلت حتى بهت لونها وزالت عنه نضارته . 
كيف أصف بعدها .. ؟ 
كيف اصف ما أجد في اعماقي من لهيب البين والنوى ؟ 
كيف أعبر عن فقدها .. ؟
كيف أتكلم وأدون والكلمات قد أحجمت عني وذهلت عن قلمي وبُهِتتْ ؟ 
أعطتني كل شيء .. وأخذت مني كل شي . 
أعطتني ثم منعت ، وأعطيتها ولم أمنع .. ولازلت أعطيها حتى وإن توارت وابتعدت وسأظل كذلك . 
لا زال ما أعطيتها رهن إشارتها ، وفي يمينها أو يسارها .. تضعه بحسب ما لي عندها ، فإن كنت لديها من أصحاب اليمين فسأكون في يمينها  وإن حكمت علي بالشمال فساظل يمينها وإن لم أكن في يمينها . 

كتبت هذه الكلمات بعدما استغرقت في تأمل وذكريات مرت بي ، فاجتاح أعماقي لهيبها ، واشتعلت في فؤادي شرارتها ، ولفح مشاعري مارجها ، وأحرق أحاسيسي سمومها . 
آه منها ومن هجرها .. ومن ظلمها وصلفها .. 
ليت شعري أين هي .. وما هي أحوالها وماذا حدث لها . 
أأصابها مكروه فنعذرها .. أو جفتنا بظلم فنزيد في الشوق إليها ؟ 
لا مجال للنسيان .. ولا وجود له في قواميس حبها لدي . بل النسيان يذكرني ، والذكريات تلوعني ، والأسى والحزن يعصف بي .
والأيام تمر علي طوالاً .. وقصاراً .. والفصول متعددة فلم تعد أربعة .. بل قد أصبحت ألواناً . 

ربما أنها تقرأ كلماتي هذه .. وربما لا .. ولكنني أكتب وأنا أستشعرها وهي تقرأ .. وأتخيلها وهي تسير بين السطور بناظريها بتأمل .. بل أجدها معي أتصورها بكل أطيافها .. اسمع همسها وهي تقرأ الكلمات بــ( همس ) .. وتعالجها بـــ (مشاعر ) فاجتمعت كل تلك الأحاسيس همس مشاعر غائبة حاضرة .. 
مهما ابتعدتِ فسيظل قلبي يتبعك . وخيالك يزورني .. وأعماقي مأواكِ ومسكنك . 
تحياتي .. تمت باختصار  شديد . 

الثلاثاء، يونيو 22، 2010

الرحيل


كانت روحي تلتقي روحها ، وتأوي إليها ، وتبقى إلى جوارها لتأنس بها ، هناك في فضائها ، في فضاءات الكون الواسعة ، وفي قمم السحاب ، وبين رذاذ الضباب الباردة ، كانت تعيش معها في حبور وسرور . 
عشقتها الروح ، وهواها القلب وحن إليها الجسد ، وصورها العقل وغرستها الذاكرة في أعماق النفس ، حتى صارت الروح والقلب والجسد والعقل والمنطق . 
في عشقها انطلق اللسان وانهمر سيل الكلمات ، وشمر القلم عن ريشته وانبرى يدون معاني حبها ويشرح ما في كوامن النفس لها من غرام وما بالنفس من هيام، حتى ظننت أن فراقاً لن يكون ، وأن غيابها عني ضرب من المستحيل ، وأنه سيأتي يوم ألتقيها روحاً وجسداً وصوتاً أناجيها من قريب ، وأشكو على مرآى ومسمع منها فتسمع أنيني وزفرات حنيني ، وتقرأ صادق عشقي وحبي لها في عيني وتترجمها بيقين وتدرك صدق ما كنت أقول لها عبر الأثير . 
كنت أتمنى أن أقف يوماً أمامها لحظة يسيرة أتأمل وجهها الغائب عني منذ فترة ، بل لم أره مطلقاً ولكن كنت قد صورته في خيالي في أبهى وأجمل صورة يمكن أن يتخيلها عاشق لمحبوبته ، ألمس يدها وأمسح دمعها وأشتكي إليها منها وأقدم لها التضحيات وأعبر لها عن آيات حبي .
أما الآن فقد انطلقت روحي تبحث عن روحها في جنبات الكون ، بعدما شعرت بوحشة مفاجئة ، وفقد غريب ، وشوق متزايد ، وغياب طويل فلم تجدها ولم تعد تسمع همسها ، وصوتها الهادئ يتخلل السحاب ، ويقرع أجراس قلبي كأنه وحي أو إلهام . 
غابت عني الكلمات التي كانت تلهمني إياها ، وانقطع عني نهر المعاني الذي كنت أشرب من نقائه وصفائه . 

نعم لم أعد أراها أو أسمع همسها ، أو أجد ريحها مع نسيم الصبا أو نسمة الوادي ، ولم أعد أجد عبيرها مع نسمة الليل الباردة ، ولم أعد أر صورتها في وجه البدر أو على صفحة القمر ، لم أعد أر خيالها على التلال ، والهضاب ، لم أعد أسمع خشخشة قدميها بين خشاش الأرض تحت الأشجار ، ولا أراها تداعب الأزهار بيديها وتشتمها ، لم اعد أرها تحدق وتمعن النظر إلي كما تصورتها وتخيلتها وكما تمنيتها . 
لم أعد أقرأ كلماتها وما عاد للغوص في بحر معانيها من سبيل ، فقد اختفت وانقطعت عني منذو فترة ، ورمتني بالهجر ، وقتلتني بالجفاء وأهلكتني بالبعاد . 
حتى كلماتي لم تعد تلك الكلمات والمعاني خبا بريقها واختفى لمعانها ، فلم أعد أرغب في شيء بعدها ، حتى  القلم هجرته حتى هذه اللحظة يبدو أنني سامنحه إجازة أبدية وأعفيه من أزيز الكلمات وتركيب العبارات . 
ليت شعري لمه خلي اليوم اعتذر ، ولمه هذا الصد والهجر ؟ 
ترى هل قصرت في حبها ؟ 
هل أخللت بشيء من شروط الحب ؟ 
أتمنى أنها تقرأ كلماتي لتعلم من خلالها معاناتي . 
من أجلها جعلت المالكية مذهبي ، وتركت جميع المذاهب . 
عليك يا ناقض لتلك العهود سلام من وافي عهوده . 
لقد رحلت وتركتني أعوم في بحر عميق من حبها . 
رحلت وتركتني أجري خلف سرابها . وأسهر الليل لعلي أرى في صفحة القمر صورتها . 
أواستنشق مع نسمة الليل عبيرها وشذاها ، إنني كما قالت تلك السيدة الفاضلة .. أنام وما بي من نوم ، وأسهر وما بي من سهر في تناقض عجيب .. أنام لعل سنة من النوم تأتيني على أمل أن يزورني طيفها ، وأسهر  على أمل أن أجد في نسمة الليل عبيرها ورائحتها .

لقد رحلت .. لقد رحلت .. لقد رحلت . ورحل قلبي معها ، وهاجرت سعادتي إلى مهجرها ، فروحي تبحث عن روحها ، وقلبي يسير في ركابها ، وسعادتي تركت كل شيء واستقرت في مهجرها . 
ولكن أبلغوها أنني ما زلت أحبها وسأظل أحبها .. 
أعتذر منك أخي القارئ إن كان التعبير قد خانني ، فالشوق قد أعياني .  

الجمعة، يونيو 18، 2010

( همس ) السراب

تلك هي القصة التي لم أستطع أن أختمها ، وتماديت فيها صفحات عديدة ، بلغت مايقارب الاثنتي عشرة صفحة بوجهين كاملين ولا زال حبلها مسترسلاً بيدي  وقلمي يرتعد بين أصابعي وتئز من ريشته  صفحاتي ، ولم تنطوي سجلاتي لأنني كلما أردت أن أبحث عن خاتمة لها وجدت الآفاق تتسع أمامي والطرقات سالكة ، والكلمات منهمرة علي من ينابيعها ، فتبتعد كلمات الختام وتتوارى حروف الوداع ، وتأتي كلمات أخرى فتجبرني على الاستمرار والاسترسال في التدوين . 

لا أدري هل هو الحديث عن السراب تكون خاتمته كالسراب لا وجود لها فيظل الشارح يتكلم والمدون يفتح صفحات ويطوي أخرى ، والراكض خلفه يجري دون توقف وهو أمامه متوقفاً تارة ومبتعداً  كلما اقترب منه ، فيراه بقيعة أخرى وهو يجري خلفه عله يحظى منه بلمسة فلما وصل إليه لم يجده شيئاً ، فأطلق نظرة الحيرة واليأس فإذا به يراه في أفق آخر . 

أم أن الحديث عما يشبه السراب هو ضرب من الجنون ، أو أمر من المستحيل تتوالى فيه الكلمات وتهفو إليه في محاولة يائسة للإلمام به والإتيان على كل جوانبه ونواحيه ، فما تلبث أن تقبع عاجزة حائرة تحت أسواره ولم تستطع أن تطوي صفحاته أو توقف سيل معانيها المتدفق بقوة واوابلها المنهمر بغزارة فتظل تسير بجانب السور بحثاً عن نهاية للحديث . 

بل هي حقيقة أتت لي من السراب وتبلج عنها وهجه المتبخر في صحراء المستحيل ، فحدثت معجزات لم تحدث إذ تكون من السراب حقيقة ، وولد المستحيل شيئاً ممكنا في التحقيق ، فاختفت أسطورة السراب عندما أصبحت تنجب الملموس وتهادى المستحيل عندما تمخض عن أمر ممكن الحدوث . 
سطعت شمسها منتصف الصحراء ومن قلب ذلك السراب المتوهج ، فأخذت في البزوغ شيئاً فشيئاً حتى علت في كبد السماء ثم استوت فألقت بضيائها على أرضي المتعطشة لدفئها وحرارتها ، فوقعت تلك الأشعة على أرض باردة فتعانقت حرارة الشمس مع برودة الأرض وامتزجت وأخذت حرارة الشمس من البرودة نصيباً وأخذت الأرض من حرارة الشمس نصيباً فتحولت إلى دفء تصاعدت منه أبخرة الضباب فزحفت من القيعان والوديان ونفضت عنها التلال والهضاب فانتشر في السماء وكسى الأرض وتوج قمم الجبال وحجب صفحة الشمس بحلة بيضاء كما تحجب العروس وجهها في ليلة زفافها . 

عجباً لبعض الحوادث عندما تبدأ بشي من الغرابة ، وتفصح عنها  (مشاعر)  الغضب وملامح الاستهجان ، كانت في دائرة الضوء تتلقى وابلاً من الأسئلة ، التي تستهدف جمع الكثير من المعلومات والحصول على شيء مما تكنه بعض النفوس المريضة التي تسعى إلى أن تحظى بسر مكتوم تدلي به على غفلة أو بحسن نية ، وأنا أتابع ذلك وأحقق في تلك الترهات ، وأتبين الأنفس من خلالها حتى علمت الغاية من بعضها بل من أكثرها فدخلت في تلك الدائرة ولكن ليس سائلاً كما يفعل هؤلاء ، فقلت لها كلمتي ( ابتعدي عن التقصي ) لما رأيت من شفافيتها وبراءة سريرتها وسلامة طويتها ، فأخذ الحديث بيننا يكبر وهي ترد على بحالة من الغضب ، لعله من أسلوبي الذي لم يسبق لها أن عرفته ، ومن تلك الدائرة انطلقت حلقاتنا تدور في فلك الحب وتبحث عن مخرج لتنطلق منه إلى آفاق العشق وتخرج إلى فسحات الحياة ، ولكنها لم تكن البداية بالنسبة لي لأنني كنت قد دخلت في ذالك المجتمع وتجولت فيه وتحدثت مع ناسه وأهله ولكنني لم أجد ما يلفت نظري أو ما يشبع ذائقتي الأدبية أو يرقى إلى ما لدي ، ولا أقول هذا من باب التعالي أو التفاخر أو الاحتقار للغير ولكنها الحقيقة التي لابد منها ، وليس لأنهم ليس لديهم معرفة ،ولكن ربما أنهم لم يخلصوا أو يحاولوا الاستفادة مما لديهم بقدر الإمكان ، فلما أو أشكت على الرحيل إذا لاحت لي كلماتها وانطلقت في سماء الإبداع عباراتها فرأيت شيئاً مختلفاً تماماً عما تعودت عليه هناك ، ووجدت أنها بحر زاخر ونهر جار وينبوع عذب ، ومعان أصيلة فريدة ، جعلتني أشعر أنني أعيش في عصور سيادة اللغة والمنطق . 

لم تنته القصة بعد ولكنني أكتفي بهذا القدر الآن وسأحاول الإكمال فيما بعد إن شاء الله تعالى .   


الخميس، يونيو 17، 2010

نعم .. نعم .. أنت هي .

سيدتي : 
لما أبهمتُ الرسالة هكذا ليقيني بأن لديك من الفطنة ما يخبرك بأنكِ أنتِ من أردتُ برسالتي ، فلكِ مني جزيل الشكر على هذا التواصل والمتابعة التي أعدها مفخرة أتفاخر بها وأتباهى وشرف عظيم لي أن أجد مثلك بين صفحاتي ويتابع كلماتي ومدوناتي ، ولا يسعني إلا أن أتقدم لك بجزيل الامتنان وإن كانت كلمات الشكر قاصرة عن أن تفيكِ حقكِ واعجز عن التعبير عما بداخلي من آيات الامتنان .

سيدتي : كنت قد قلت لكِ في معرض تلك الرسالة إنها قد رحلت وتوارت عني لا أدري إلى أين ، ولا أدري عن الأسباب التي جعلتها تفعل ذلك وإن كنت أتردد بين عدة احتمالات إلا أنها غير كافية للجزم بها . 
لم أعد أقرأ لها جديداً منذ فترة  أراها طويلة جداً في نظري في حين قد يراها غيري وجيزة ، ولكن هذا هو شأن القلوب عندما تتقلب بين الأشواق وتتلظى بنار البين وترتوي بحميم الحنين .. ولكن لا زالت روحي بروحها تلتقي في مكان ما في هذا العالم ، وأشعر بها كأنما هي معي وبجانبي ، ولكن لا أدري هل لديها ذات الشعور أم أنها قد تدثرت بدثار النسيان وتوارت بين أوراق الهجر والصدود .وسأظل لها في الانتظار .

سيدتي : 
لاأريد أن أطيل عليك فإنما أحببت أن أؤكد لك بأنكِ أنتِ من خاطبتُ وقد كانت فطنتكِ مسددة وذكاؤكِ لم يخنكِ .. ( ماشاء الله لا قوة إلا بالله ) وأشكر لك هذه المتابعة ووجودكِ في سطوري وأوراقي . وهو شرف عظيم لي . 
لكِ ودي سيدتي وإجلالي . 

عندما يتساءل الإبداع ..

سيدتي :
تسألين عنها لعلك في شوق كبير إلى أن تري تأليفها ، وتراكيب كلماتها البديعة ، التي كانت سبباً في عشقي لها ، قد يقول البعض عن هذا الحب إنه جنون ، أو غريب أو مستحيل أن يحدث حب من خلف الأسوار ، أو أن يتولد من السراب ، وقد ينعت صاحبه بالجنون أو باي صفة أخرى تقلل من شأنه وتعبر عن غرابة ما يفعله بالنسبة لهم . 
أما أنا فأؤمن بأن الحب قد يحدث بأي شكل وطريقة إما بالمشاهدة والتعرض لسهام عينين ما تخطي مراميها ، أو وصف دقيق يسمعه الإنسان فيستحسنه السمع ويلقي به إلى القلب المفتوح فيقع منه في مكانة الحب ، فعندها يعشق ( والأذن تعشق قبل العين أحياناً ) ولكن حبي لم يكن نظرة أو سماعاً ولكنها كلمات متبادلة عبر الأثير كأنها تنبع من مشكاة واحدة فأصبحنا كأننا نلتقي منذ زمن بعيد ، لولا أن الشوق كان حاضراً معنا لقلنا أننا نلتقي ، جراء تلك المساجلات التي انبعثت بها روحينا ثم انبرت في رحبة الفضاء لتصل بيننا في جنباته الواسعة . 

أستطيع يا سيدتي أن أقول إنه الحب عن بعد وتآلف الأرواح وتعارفها رغن المسافات والكواليس التي تقبع خلفها الأجساد وتختفي فيها النوايا إلا أن لغة الحب استطاعت أن تتسلل من خلال الجدر وتجتاز الأسوار وتحلق في الفضاء بحثاً عن الأجساد لتصل بينها وتربط بينها برباط العشق والهيام . 

لا زلت أقول وأنا على ثقة بما أقول : إن الحب قد يكون بالوصف والسماع أو من خلال القراءة والإعجاب ، وكما أن السحر والحسد قد يكون بالسماع والوصف لأن النفس الخبيثة التي تقطن في الأضلاع وتقبع في أرجاء القلوب هي نفس طيارة حاقدة فاسدة تتمنى أن ما تفضل الله به على عباده يزول ويذهب لأنها نفس شيطانية حقودة وإملاءات شيطانية ملؤها الضغينة على بني البشر ، فأصبحت تلك النفس مطية للشياطين تسير عليها إلى خلق الله فتقتلهم خدمة الحسد والشياطين . 

أما الحب فهو كذلك يكون بالسماع والوصف تطير الروح المحبة حاملة معها القلب المحب تحلق في السماء بحثاً عن الروح الأخرى لتلقي به بين ذراعيها وتندمج مع الروح الأخرى فيتكون حباً عذرياً أرضه الفضاء ومسرحه القلوب وأرض ميعاده الأجساد التي تتحرك على الأرض دون أرواحها العاطفية تنتظر عودة الروح بالقلب لتلتقي الأجساد من بعد السراب وتحقق الأحلام من بعد الخيال . 

سيدتي 
إن كنت تسألين عنها وتريدين أن تري منها ما أغرمت به وهمت بها من أجله فأقول لك إنها قد رحلت ، وصدت عني ورمتني من حبها بالأشواق وأحرقتني بنيران الهجر والصدود ، ليس لذنب أذكره ولكنها بعد أن علمتني حبها وعشقها عادت لتعلمني الشوق والحنين وتركت نفسي وحياتي مسرحاً للآهات والذكريات .. 
إنه قدري أن أعشقها .. ولكن لا يهم سأبقى لها ذلك المحب وستبقى في حياتي وذاكرتي إلى الأبد رغم أنني لم ألتقِ بها يوماً ولم أر جمالها الذي أتوقع أنه يفوق جمال حرفها وجزالة معانيها . 

أعتذر منكِ سيدتي على الإطالة ولكنها رسالة أحببت أن أبعثها إليك ولها ايضاً لأنني دائماً أتخيل أنها دائماً حاضرة معي في كل مكان وتقرأ ما أكتب .. لا أدري لماذا ولكنه شعور يراودني .

كذلك لا يفوتني أن أعترف لكِ بإعجابي بما تكتبين وبلغتكِ الجميلة وأسلوبكِ الآسر ، وأنا سعيد بوجودي في صفحاتك وقراءتي لما تدونين .. سأبقى متابع لك على الدوام .
تقبلي شكري ومودتي سيدتي .

الأربعاء، يونيو 16، 2010

أنت أسطورتي


يقولون طائر الرخ أسطورة ، ويقولون عجائب الدنيا السبع ، ويقولون المستحيلات ، ويقولون ويقولون ، ويبالغون ويعتدلون . 

أما أنا فأقول : أنت أسطورتي ، وأنتِ المعجزة التي حيرتني ، والآية التي أتأملها وأستمتع بذلك ، وما بي إشراك ، ولا كفر ، بل أنتِ آية إلهية بالنسبة لي أعجز عن التوقف عن التأمل فيها والتفكر ، وكلما أبحرت في عالم ذكراك أغوص في غياهب سحيقة ، وأعماق لا قعر لها أجوب أنحاءها وكلما أبحرت أجد خضماً هائلاً ، وآفاقاً واسعة ، وآيات أعجز عن تفسيرها فأزداد إعجاباً وإصراراً على الغوص في أعماق أسطورتي . 
أستمتع بالتأمل فيكِ وقراءة سطوركِ والتلذذ بذكركِ وقراءتكِ كل حين ، فأنتِ طائري الجميل صاحب الألوان الزاهية ، والنفس الزكية ، الذي يرفرف بجناحيه ، ويطير بروحه البريئة ، في جو السماء ، يرفرف بريشه الناعم ويتغنى بصوته الشجي على غصنه كل صباح مع انبلاج الفجر وطلوع آية النهار . 
أنت طائري الأسطوري الذي يملأ أفق السماء ، وآفاق نفسي ، أراك في كل زاوية من زوايا الكون ، في عمق السماء ، وآفاق الفضاء ، وتحت لجج الماء . 
أنت الحب الذي سرى في أوصالي وجرى في عروقي وتلونت به حياتي وتشبعت به نفسي ، وتزينت به كلماتي ، وارتفعت به آهاتي ، وزادت أناتي . 
أنت العشق الذي أهيم فيه والتهبت به أعماقي ، لقد ملأت بالحديث عنك أوراقي . 
إن كان هناك جحيم يتلذذ به إنسان  فأنتِ لي ذلك الجحيم ، وإن كانت ناره تلظى فهو جنة عدن أعيش فيها وأرتع في جنباتها وأسكن رباها .
أنت العذاب الذي أسعى إليه ، وأبحث عنه ، فما أشده وما ألذه ، كلما زاد شدة زاد لذة وعذوبة . 
أنت العذاب الذي أسعى إليه وأرتكب الذنوب من أجله أنت غفراني وذنبي ، أنتِ آلامي وطبي ، أنتِ عدلي وظلمي ، أنتِ دائي ودوائي . أنت هجيري وزمهريري ، أنتِ تعبي وراحتي ، وعقلي وجنوني ، ومملكتي وكياني ، أنتِ البسمة التي ترتسم على شفتي ، ويضيء بها جبيني ، أنت كل شيء في حياتي ، وكل ركن من أركان مملكتي ، أنا ملك بحبكِ ، وجبار بجبروت ذلك الحب العتيد ، أنتِ النبض والخافق بين جوانحي .
إنني أهواكِ وأعشقكِ وأهيم بكِ وأعشق التراب الذي تطئيه بقدميكِ ، أعشق الهواء الذي تتنفسيه ، والنسمة التي تأتي من قبل أرضكِ .
إنني أستنشقها بعمق ثم أكتمها في داخلي وأحتجزها في أنفاسي وفي داخلي ثم أتلذذ بها فأجعلها بدلاً من الهواء الذي أستنشقه والزاد الذي آكله . أنتِ كل عبير أستنشقه في كل لحظة وفي أي زمان ومكان وكل نسمة عطرة أجدها أجدكِ فيها وأجدها أنتِ لا محالة . وأجد فيها رائحتكِ وعبيرك .
أنتِ ملهمتي والوحي الذي أنصت إليه في جنح الغياهب فأستوعبه ثم أكتبه آيات حب وعشق قذفها رسولكِ في فؤادي فوعيتها ، فهمت بكِ واستهام بك قلبي ، وشاب فويدي واستهام فؤادي .
أنتِ ( الهمس ) الذي يهتف لي في حلك الدجى ، ويتردد صداه في جنبات الغابة ، وجانب الوادي ، أسمعه بين الأزهار فأهفو إليها وآوي إلى جذورها أتحسسكِ بين أزهارها وأبحث عن شذاكِ بين شذاها ، أتلمسها فأجدكِ في رقتها وأستنشقك في عبيرها ، أنتِ الربيع في صحراء حياتي والواحة الخضراء في قفار نفسي والحديقة الغناء في أرجائي . 
أنتِ كل شيء وكل شيء أنتِ ( أنتِ كل شيء أنتِ كل شيء أنتِ كل شيء )... لعل هذا أبلغ في كلماتي وأفصح في بياني وأعم وأشمل في مقاصدي ومرادي . 
أنتِ أسطورتي . وأنتِ ( مشاعري ) وآمالي .

شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More