الخميس، يوليو 08، 2010

عزيزتي :

سلام واحترام ..
سأبدأ الرسالة من عند قولكِ : أعلم أنني أتخطى ... لأفتح لك الضوء الأخضر وأفتح لكِ منافذ الحدود ، وأقتلع السياج لتعبري من أي فج شئتِ فمدونتي أرض أرجو أن تكون خصبة لكِ وتجدي فيها ثمراً يانعاً ، وإن كانت في غاية التواضع والبساطة ، فسيري في أرجائها كما شئتِ فذلك يسعدني ويسرني كثيراً كما تسعدني القراءة في سطوركِ البديعة . 

سيدتي : كنت قد أعددت الرسالة الأخيرة التي أتوقع أن ترى النور في اليومين القادمين إن شاء الله تعالى وهي حالياً بعنوان ( لا تعودي ) وربما سأضع لها عنواناً آخر لعله يكون أفضل دلالة على المضمون . 

سيدتي : قد نكره على أسباب الرحيل أو تفرض علينا فرضاً في حين أننا نسعى لدرئها ودفعها وقد نهدر في سبيل ذلك كرامتنا ونريق ماء وجوهنا ونتنصل من حيائنا ونضع كل ذلك فداء لمن نحب ونجعله رخيصاً في سبيله ، لأننا نؤمن عندما نحب إيماناً قاطعاً بأنه يستحق ذلك وترخص في سبيله القيم وتتغير المبادئ وتختفي بصفة مؤقتة كما نظن ، لأننا نعتقد بأن من نمنحه ذلك سيصبح يوماً جزءاً منا ونرتبط معه بروابط مقدسة لنجد ما أهدرناه في سبيله وضحينا به من أجله محفوظ عنده وسيعيده أو يستبقيه كجزء من كيانه ويبقيه في عهدته فأصبح جزءاً منه وانضم إلىى جناحه ، ولعل من أجل ذلك لا كرامة للمحبين لأنهم يأتمنون من يحبون على كرامتهم ويمنحونهم إياها تضحية وإثباتاً لصدق معتقدهم ومذهبهم ، وصفاء نياتهم تجاه من يحبون ، متجاهلين المجتمع بل العالم بأسره غاضين الطرف مقنعي رؤوسهم ، لأنهم يؤمنون بالتضحية من الحبيب . 

سيدتي : قد يعطي المحب بدون مقابل روحه وقلبه وحياته ، وسعادته ، وكل ما يملك غير مبال ولا مكترث للعواقب ولا يفكر في الثمن رغم أنه من يمنح ثم يدفع الثمن ، فيا لحسرته عندما يعلم أن ما قدمه قد ذهب جفاء . 
لقد كانت ملهمتي ، وكلماتي تتدفق علي سراعاً عندما أدير دفة الفكرة والتفكير فيها فأجدني أغترف من ينبوع عذب وأسير ونهر جار من الثراء في الكلم والخيال الخصب ، فسطرت هنا وفي أماكن عدة أسمى معاني الحب ، لا ابخل عليها بشيء حتى وإن كان في بعضه تذلل واستهانة ، وإهدار كرامة ، وما ذلك إلا لأنني أنطلق من قاعدة ( لاكرامة للمحبين ) في سبيل من أحبوا ، فهم قد أهدوا وأهدروا أيضاً وذلك شرعة ومنهاجاً في دولتهم وقوانين يحكم على من خالفها بالغدر والخداع والكذب والخيانة . 
أفلم يأن لي أن أقصر وأحتفظ بما تبقى خصوصاً عندما أتطلع في الأفق وأستشرف المشارق والمغارب ، وأقف على رؤس أصابعي لعلي اراها وأصيخ بالسمع منصتاً لعلي أسمعها ، وأترقب وأحتال على الأخبار لعلي أجد على النار هدى أوجذوة أصطلي بها من برد الجفاء والهجر والصدود ، ثم جلست على قارعة الطريق وفي مفارق الطرق لعلي أجد لدى المارة خبراً ولكن لا داعي ولا مجيب ( إني وقفت بباب الدار أسألها عن الحبيب الذي قد كان لي فيها .. فقلت يا دار أين احبابنا رحلوا وأي أرض ترى هم خيموا فيها .. فما وجدت بها طيفاً يكلمني سوى نواح حمام في أعاليها ، أجابني الدار يا مسكين قد رحلوا وخلفوني على الأطناب أبكيها ... لله در القائل ) .. فأزداد ياساً واقتناعاً بأنها تريد ذلك وتتعمده .. نعم هي تريد ذلك .. فأنا أفهمها جيداً ولكن لابأس لها ما  تريد إذا كان ذلك يرضيها ويسعدها فما يهمني هو سعادتها أياً كانت العواقب . 

إنني أتوقف عن كل شيء كما توقف عني كل شيء ، اليراع ، الكلمات ، الهمس الذي كنت أسمعه لها ، طيفها الذي كان يزورني في إغماضتي ، حتى روحي التي كانت تنطلق في الآفاق بحثاً عنها أو ساعية للقاء روحها أشعر أنها قد توقفت في مكان ما من الفضاء وتجمدت في مكانها . والمعاني أحجمت عني فبُهِتُ وأخذ مني الإعياء كل مأخذ ، ولعلك تلاحظين ذلك في ما أكتبه مؤخراً فلم يرق للمكانة التي كنت أنشدها وأطلبها ، ولا أجد الرضى به ، ربما هي أوجاع المصاب الجلل . 
سيدتي تلك هي رغبتها أنا مؤمن بذلك فأنا الذي يفهمها ..
نعم متصفحها لا يقبل الأخذ والرد .. 
شكراً لكِ سيدتي فوجودكِ بين سطوري يسعدني كثيراً ثم أعتذر منكِ فقد أجبتكِ باختصار .

الأربعاء، يوليو 07، 2010

لن أسكنكِ بين الجراح .



 الوداع الأخضر

لست غاضباً ولكنني أودعك .. لست غاضباً ولكنني أنساكِ .. لست غاضباً ولكنني أبتعد عنكِ . 
لست غاضباً ولكنني أتدثر بثياب الحزن والأسى ، وأتجرع كأس المرارة والندم ، وأرتع بين خمائل الهم والألم ، وأتجرع كأس المرارة والحرمان ، وألعق الصبر وأعض أصابع الندم والويل والحسرة ، وأتقلب على جمر البعد والفقد والحرمان . 

أخرجت قلبي فرضاً وكناية واستعارة ثم وسدته بين يدي وتأملته وتفحصته فوجدته قطعة من الدم العبيط قد تحول لونه إلى اللون الأسود ، ثم قلبته بين ذراعي كما يقلب الأب الحاني فلذة كبده بين يديه ميتاً ، يغسله ويكفنه ودموعه تنهمر من مقلتيه بغزارة ، فتختلط مع ماء الغسل فصار يغسله بدمع ممزوج بالماء ، وقلبه يتحرك بين أضلعه يكاد يقلع من مكانه .. 
لقد وجدته جثة هامدة متقطعة بل متكسرة متحطمة يتفتت بين أصابعي كما تتفتت كرة الطين اليابسة ، وجدته حياً وليس به حياة ، وميتاً ولكنه لم يحظ بشرف الموت وراحته فيرتاح به ، أنينه أزيز ، وتنهداته لها حطيم ..
ياه .. ويا آه .. كم تحتبس الكلمات عليَّ وكم تتسارع ، لقد أصبتيني في مقتل يا تلك .. 
وأرديتيني قتيلاً وجريحاً معاً ، قتيل ولست بميت وجريح ولست بمندمل الجراح .

إنني أودعكِ وقلبي يتفطر وكلماتي تحتبس مني في الحلقوم وأغص بها غصة تكاد تخنقني كأنها صخرة عاتية استعصت على زبر الحديد.  
ظللت أبحث عنكِ وأنتظركِ وأترقب ، وأتأمل منكِ عودة وإقبالاً علي من جديد ، وقفت في مفترق كل طريق أنتظر قدومك وعودتكِ ، وجلست أسامر الليل واناجي القمر وأسأله عنك وأتأملكِ في صفحته ، أنتظر منكِ رحمة ، وحناناً ربما افتقدته من صغري فظننت أنني سأجده عندكِ ، ولكن انتظاري طار وبعدت الأيام والشقة ، وزاد الشقاء والضنى ( يا احبابنا زاد الضنى وزاد شوقي واللهيب .. ما قد  نزل لي زادنا حتى ولا قطرة حليب ، ) فبدأ قلبي يموت ويفنى ، وجراحي تغور وتتسمم وتتعفن والداء يسري في جسدي ، وروحي تتصاعد في أوصالي تصارع لتخرج ولكن ذلك بقدر ، والزهر يذبل في بساتيني ، والشجار تموت في حدائقي ، والنجم كالعصف في خمائلي ..

نعم لقد مات قلبي وأنتِ من قتله ، ولم أتلق فيه عزاء أو مواساة ، لقد مات كما يموت التائه في الصحراء ، أو الحيوان في العراء ، لم يعزيني فيه سوى كياني ونفسي وأنحائي ، ولقد كفنته ثم دفنته في صدري دونما غسل فهو في نظري شهيد محرابكِ فلله هو من شهيد .

بدأت كلمات الحب والغرام تغيب عني وتهجرني ويراعي ينفر مني عندما أريد أن أخط به كلمات الحب ، وفكري يخونني عندما أشرع في تفسير مغانيها ويتركني ولا يسعفني بالبحث عن أجمل معانيها ، وأصبح يمنحني الغث منها دون السمين والجُفاء ، ويحرمني ألذ وأجمل المعاني وكلما سألته وتساءلت يجيبني بأنكِ لا تستحقين أدناها فكيف يمنحني أعلاها ؟! 
كل شيء من حولي اختلف علي وتخلف عني وتغير وجفا وتحير وهجر وتعذر . . 
على أطراف أطلالكِ رفعت راية خضراء ترفرف في وسط الرياح ودونت عليها كلمات الوداع الأبدي وفراق غير وامق ، يرفرف بآيات الحزن والحرمان ، وصور الجراح التي تثعب بدم الصد والهجر والجفاء تعلوه  ... 
لقد وضعت قلبي تحت ضوء الشمس وتركته تحت ضيائها وحرها وهجيرها حتى جف ويبس وقسا وتصلب وتجمد حتى صار صخراً قاسياً وجلموداً يابساً ، فتصلبت أبوابه مغلقة ، وتهدمت نوافذه واستغلقت فتحول إلى كتلة صخر قاسية باطنه كظاهره وظاهره أرض جرداء لا حياة فيها ولا ماء ، ولاعشب ولا هواء وتحول من قلب عاشق محب إلى قلب ناسياً قاسياً يقسو ويصارع وياوم كل معاني الحب ويرفضها ويتحلى بصفات الأعرابي الجلف أو الحاكم الظالم الجائر .. 

أترين كيف حولتِ حياتي وكيف قلبتِ كياني ، وحولتِ حياتي إلى ساحة للصراع والخلافات ومسرحاً للمعارك والحروب النفسية ، ثم تخليتي عني وتركتيني أصارع وأقاوم الحرمان وأتقلب في بركِ العذاب والألم .. 

إنه الوداع يا تلك .. نعم لقد قررت وأصررت ، فلا تعودي إلي لو خطرت لك فكرة أو لاحت في نفسك بادرة ، فلم يعد في قلبي لك متسع رغم أنني أحبكِ وأعشقكِ ولازلت كذلك نعم لقد أحببتكِ حتى زاد الحب عن حده وتماديت فيه وأفرطت فيه أيما إفراط وأسرفت في التقرب إليك أيما إسراف ، وفي الأثر ما زاد عن حده انقلب ضده .. 
لم أعد أرغب أحتمل العذاب والحب المجهول رغم أنني لازلت أحبكِ ، ولكنني قد قسوت وأريد أن أكون كذلك ، أريد أن أجد قلبي قاسياً ظالماً ، يحاسب ويعاقب ، ويعفو وينتقم ، لم أريده ذلك القلب المحب الخالص ، يبدو أن الزمن لم يعد زمن الحب والعشق والغرام ، ولعلي كنت أعيش في عصور قد خلت وتلبست بثوبها القديم على جسد جديد ، لم أعد أريدك ولا أرغب فيك .. ليس كرهاً ولا نكراناً ولا هروباً ولكن قلبي لم يعد يحتمل فقد أثخنته الجراح وأوهنته الليالي والأيام العصيبة ، وأضناه الفراق والجفاء والهجر والبين .. 
إنه جرح بحد ذاته وداء في سماته ، فكيف يشفى المرض من الداء ؟ 
سامحكِ الله لقد قسوتِ علي وظلمتيني وجرعتيني من الحمام كؤوساً ، وأسقيتيني من الهجر تعاليلاً ن واريتيني من العذاب صنوفاً ، وحملتي قلبي فوق طاقته  وكنت قد نبذت كل ملذات الحياة من أجلكِ ، وكدت أخسر من حولي من أجلكِ ، ولا زلت مصراً ومراهناً على حبكِإلا أنكِ افسدتِ علي رهاني وجعلتيني صغيراً ..
إنكِ تتجاهليني وتجافيني عمداً وجوراً وظلماً .. وحق لي أن أنفذ بكرامتي فلا حب بدون كرامة ن ولا كرامة بدون حب ولا حب بدون تضحية ولا تضحية بدون إخلاص ووفاء .. 
لا تعودي ..  فقد تناسيتك وما كنت ناسياً ..
لا تعودي فقد اعتزلتكِ واعتزلت الحب .. 
لا تعودي فتنكئي الجراح مرة أخرى ، وتريقي دمي بعدما توقف وجفت قنواته .. 
اتركيني أحلم بكِ من بعيد .. 
لا تعودي .. فقد صار قلبي جرحاً غائراً ولا أريد أن اسكنك بين الجراح ..

الاثنين، يوليو 05، 2010

أضاءت لكِ مدونتي ..



أضاءت لكِ بل أضاءت بكِ مدونتي ، وتراقصت حروفها ، وتمايلت سطورها جذلاً  بوجودكِ كما تتمايل الأغصان الطرية مع نغمات النسائم الندية ، على ضوء قمر هادئ يشق السماء في عتمة الليل ليبدد ظلامه ويكسوه بالوقار والهيبة . 
أو كما تتمايل طفلة صغيرة براءة ونقاء لا تعلم من أمور الدنيا شيئاً سوى البسمة والضحكات البريئة . 
أهلاً بكِ سيدتي فوجودكِ ومتابعتكِ جداً تسرني وتسعدني .. فلا تذهبي ..
دامت أفراحكِ سيدتي ودامت لكِ براءة قلبك الطاهر .
تحياتي

الأحد، يوليو 04، 2010

دمية صعبة التركيب

 
 
طفلة كنتِ تعيشين في أعماقي ، يزورني طيفكِ في كل لحظة ، في منامي العميق ، فيزيل عني كوابيس النوم المزعجة ، فأعيش معه أحلاماً سعيدة ، أناجيكِ من خلاله ، وأتمتم في سكرات النوم بحديث وكلمات تكاد تكون كالتي يتمتم بها الساحر عندما ينفث في طلاسمه وتعاويذه ، ويصنع أسحاره ولكنها ليست من السحر الشيطاني .. وإنما هي من سحر الهوى وطلاسم الحب ونفثات الغرام .

صحيح أنه لا يفهمها السامع ولكنها تفهمها النفس ، لأنها من نفث الروح وآيات الغرام وكلمات الحب .
يزورني طيفكِ حتى عند الإغماضة اليسيرة كأنه يسترق اللحظات ويستغل البرهات ليزورني ويصل روحكِ بروحي التائهة في عالمك السابحة في بحارك الطائرة في فضائك .

أيام من أسعد أيام عمري عشتها بجوار روحكِ أتلقى وحيكِ وإلهامكِ ، أيام عشتها على ضفاف نهر حبكِ أنهل من من عذبه ومعينه وصفوه ، وهو دائم الجريان من حولي كلما شعرت بالعطش للحب اغترفت منه فلا أرتوي فأغترف مراراً وكلما اغترفت غرفة ازداد عطشي بحبكِ ، فلا أبرح من مقامي وسكنت على ضفافه ورتعت بين خمائله واستنشقت عبيره وأزهاره فنسيت العالم من حولي بأسره ، واختفيتُ في دنياكِ واندمجتُ فيكِ . والتقى نهر حبكِ مع نهري فتعانقا عناق المفارقين المتيمين عندما يلتقيان مرة أخرى ، واختلطا فامتزجا امتزاجاً فظننت أنهما لن يفترقا أبداً ، وأن عناقهما سيتلوه عناق الروح والجسد .

ولكن هاهو نهر حبكِ بدأ يذبل ويجف وبدأ يتناقص من أطرافه ، وأخذت الأشجار والأزهار تموت من حوله والأغصان تذبل والأطيار تهاجر وترحل إلى الأبد ، والنهر ينحسر ويتغلغل في الأعماق ثم يتوارى إلى أبد الآبدين ، بينما لازال نهري دائم الجريان وافر العطاء يتدفق بسخاء وبعنفوان وإصرار ، يجود بكل طاقته ليملأ الوادي ويروي ما تبقى من أشجار وأزهار وينادي في الأطيار أ ن عودي  فلا زال نهر الحب جار .. ( فوا عطشا وهذا الماء جار ويا شوقاه من أهوى غريب ، وما في الناس من حسن ولكن ألذ العيش ما تهوى القلوب ، ألذ العيش قهقهة الغواني ومحبوب يعانقه حبيب ) . ( سألت أحبتي ما كان ذنبي أجابوني وأحشائي تذوب ، إذا كان المحب قليل حظ فيرمي بالسهام ولا يصيب ، وإن يرميه إحساناً وفضلاً فما حسناته إلا ذنوب ) .

كما أشرقت شمسكِ في حياتي فقد بدأت تتقدم نحو الغروب وتسير نحو الأفول ، وتنذر بالغياب الأبدي وسدول الظلام على أنحائي وخسوف القمر في سمائي وتبدد ضباب الصباح وغيوم المساء الممطرة وجفاف الليل من قطر الندى .

بدأت الذكريات تتحول إلى كوابيس مزعجة ورعشاة النوم المستمرة وتمتمات الفقد وأنات الحنين تقض مضجعي وتبدد أحلامي .
( فين الليالي الملاح ذي غار منها الصباح آح عليها وآح مافي لها من مثيل )
فيا غزال الحما ويا قمر في السماء إرفق بصبك فما له عنك في الكون بديل ) .

كم هي صعبة أطلالكِ كما أنتِ صعبة التركيب ، أتذكرين ( الدمية ؟ ! ) .
نعم أنت صعبة ولكنني أهوى الصعاب وعنيد حتى أرتقيها .

إنني أهوى الصعاب وعنيد حتى أرتقيها .
وأقاسي ألوان العذاب وإن كان مهلكي وحتفيَ فيها .
يا دمية صعبة التركيب ويا مستحيلة بتُ أرتجيها .
عندما انتثرتِ على الأرض قطعاً فعشقتُ هواية التركيب فيها .
وكم عشقتُ لملمة أجزاءكِ فأعيد سيرتكِ فيها .
حتى أراكِ أمامي جسداً ماثلاً وروحكِ فيها أناجيها .
وصورتكِ الحسناءَ في خلدي سلبت لبي ثم انبرت تداريها .
وأطلالكِ في الأجواء قد درست ثم نسجت رياح الشوق روابيها .
فلله كم أهواه من طلل وكم أهوى من أطلالكِ أعاليها .


الأحد، يونيو 27، 2010

أوراق الزيزفون



وتتمادى الأيام في الرحيل  ، وتبتعد كثيراً ، تذهب في صخب ، وضوضاء عارمة ، وجلبة مقصودة وغير مقصودة ، لا تلوي على شيء حتى تتوارى عنا في ردهات الزمن ، وتتسلل من خلال أغصان العمر وغيوم المستقبل تجتاحنا بدويها وترعبنا بغوغائها . 

غريبة عجيبة هي الأيام ، تعيش معنا كأنها طفل وديع ، وتصاحبنا كأعز الأصحاب وأوفى الأوفياء ..  تلاحقنا  .. تسعدنا .. 
تضحكنا .. تجمعنا .. وتدخل الطمأنينة إلى نفوسنا  ، ثم تنسينا كل ما له علاقة بالمستقبل ، بل تطبعه بطابع الأمل العريض ، حتى أننا ننظر إليه آفاقاً واسعة لا حدود لها ولا خطوط تحددها ، رحبات ولا حواجز تحجبها .. وباحات واسعة ، وجنات وحدائق وارفة  . 

تجمعنا .. تفرحنا بمن نعرفهم ، وتزرع في قلوبنا حبهم  ، وتجمعنا بمن لا نعرفهم  ثم تزرع حبهم في أعماقنا وتطبعه بطابع آخر يختلف عن ذلك الذي وضعته لمعارفنا ، ونحن نسير في ركابها بأمان .. بل نسيان وغمرة فرح ساهون . 
نؤمن في قرارة أنفسنا بأن كل ذلك لن يدوم ، وأنه مجرد شعور عابر تخالطه شوائب الهم والحزن عندما تختلط الذكريات في حياتنا وفي ذاكراتنا ، كما يختلط الدم بالفرث ، واللحم بالعظم ، أمور مختلطة متلاصقة ، تبدو كأنها في صراع أبدي لتنفصل عن بعضها حتى تعيش على انفراد دونما تعكير أو إزعاج قذى .. ولكن هيهات أت تنفصل أو تعيش دون صراع .. ولكننا نتمادى في إظهارالسعادة والفرح الذي ندرك أنه لن يدوم .. بل ندخل في متهاهات ودهاليز إمعاناً في إبداء السرور والسعادة .. 
فنخوض قصص الحب ، والصداقة ، وكل تعاملات الحياة الضرورية ، التي نحاول أن نقنع بها أنفسنا بأنها هي الجانب المضيء في حياتنا ، ونسير على حافة جانبها المظلم بحذر شديد ، ولا نأمن أن تنزلق إليه أقدامنا . . وهناك من تلقي به ريح الحياة منها في مكان سحيق ، فيبقى يسبح ويغوص في خضمها وتتقاذفه أمواجها العاتية ، وقد يكون محظوظاً إذا قذفته تلك الأمواج إلى البر وهو سليم الروح والجسد . 

وتمر بنا الأيام .. فعشنا قصة حب لا تكاد تلم بوصفها الكلمات ، ولا تأتي على معانيها العبارات ، ولا تنفد في وصفها أبحر الكلمات ، فتعمق في نفوسنا وتغلغل إلى أعماقنا ، وثبت في قلوبنا كما ثبتت في راحتينا أصابعنا ، وأمنا الأيام ، ونسينا مكائدها وطلاسمها وسحرها ، حتى ظننا أننا قادرون على الصمود أمامها ، وكبح جماح غيها وصلفها ، ولم نحسب حساباً لما بعد ذلك .. 

ورحلتْ .. وابتعدتْ .. دون إنذار .. ولا أي توضيح أو تفسير .. 
توارت في ضباب الزمن .. وأشجار الأسى . 
وأغصان الحزن .. وجذوع الزيزفون وتدثرت بأوراقها القلبية ، وتضاءلت في لون لحائها الرمادي  . 
وانطوت بين أزهارها الصفراء الباهتة ، فتلونت حياتي ونفسي بتلك الألوان ، رمادية باهتة ، ثم صفراء فاقعة ، ثم عادت وذبلت حتى بهت لونها وزالت عنه نضارته . 
كيف أصف بعدها .. ؟ 
كيف اصف ما أجد في اعماقي من لهيب البين والنوى ؟ 
كيف أعبر عن فقدها .. ؟
كيف أتكلم وأدون والكلمات قد أحجمت عني وذهلت عن قلمي وبُهِتتْ ؟ 
أعطتني كل شيء .. وأخذت مني كل شي . 
أعطتني ثم منعت ، وأعطيتها ولم أمنع .. ولازلت أعطيها حتى وإن توارت وابتعدت وسأظل كذلك . 
لا زال ما أعطيتها رهن إشارتها ، وفي يمينها أو يسارها .. تضعه بحسب ما لي عندها ، فإن كنت لديها من أصحاب اليمين فسأكون في يمينها  وإن حكمت علي بالشمال فساظل يمينها وإن لم أكن في يمينها . 

كتبت هذه الكلمات بعدما استغرقت في تأمل وذكريات مرت بي ، فاجتاح أعماقي لهيبها ، واشتعلت في فؤادي شرارتها ، ولفح مشاعري مارجها ، وأحرق أحاسيسي سمومها . 
آه منها ومن هجرها .. ومن ظلمها وصلفها .. 
ليت شعري أين هي .. وما هي أحوالها وماذا حدث لها . 
أأصابها مكروه فنعذرها .. أو جفتنا بظلم فنزيد في الشوق إليها ؟ 
لا مجال للنسيان .. ولا وجود له في قواميس حبها لدي . بل النسيان يذكرني ، والذكريات تلوعني ، والأسى والحزن يعصف بي .
والأيام تمر علي طوالاً .. وقصاراً .. والفصول متعددة فلم تعد أربعة .. بل قد أصبحت ألواناً . 

ربما أنها تقرأ كلماتي هذه .. وربما لا .. ولكنني أكتب وأنا أستشعرها وهي تقرأ .. وأتخيلها وهي تسير بين السطور بناظريها بتأمل .. بل أجدها معي أتصورها بكل أطيافها .. اسمع همسها وهي تقرأ الكلمات بــ( همس ) .. وتعالجها بـــ (مشاعر ) فاجتمعت كل تلك الأحاسيس همس مشاعر غائبة حاضرة .. 
مهما ابتعدتِ فسيظل قلبي يتبعك . وخيالك يزورني .. وأعماقي مأواكِ ومسكنك . 
تحياتي .. تمت باختصار  شديد . 

الثلاثاء، يونيو 22، 2010

الرحيل


كانت روحي تلتقي روحها ، وتأوي إليها ، وتبقى إلى جوارها لتأنس بها ، هناك في فضائها ، في فضاءات الكون الواسعة ، وفي قمم السحاب ، وبين رذاذ الضباب الباردة ، كانت تعيش معها في حبور وسرور . 
عشقتها الروح ، وهواها القلب وحن إليها الجسد ، وصورها العقل وغرستها الذاكرة في أعماق النفس ، حتى صارت الروح والقلب والجسد والعقل والمنطق . 
في عشقها انطلق اللسان وانهمر سيل الكلمات ، وشمر القلم عن ريشته وانبرى يدون معاني حبها ويشرح ما في كوامن النفس لها من غرام وما بالنفس من هيام، حتى ظننت أن فراقاً لن يكون ، وأن غيابها عني ضرب من المستحيل ، وأنه سيأتي يوم ألتقيها روحاً وجسداً وصوتاً أناجيها من قريب ، وأشكو على مرآى ومسمع منها فتسمع أنيني وزفرات حنيني ، وتقرأ صادق عشقي وحبي لها في عيني وتترجمها بيقين وتدرك صدق ما كنت أقول لها عبر الأثير . 
كنت أتمنى أن أقف يوماً أمامها لحظة يسيرة أتأمل وجهها الغائب عني منذ فترة ، بل لم أره مطلقاً ولكن كنت قد صورته في خيالي في أبهى وأجمل صورة يمكن أن يتخيلها عاشق لمحبوبته ، ألمس يدها وأمسح دمعها وأشتكي إليها منها وأقدم لها التضحيات وأعبر لها عن آيات حبي .
أما الآن فقد انطلقت روحي تبحث عن روحها في جنبات الكون ، بعدما شعرت بوحشة مفاجئة ، وفقد غريب ، وشوق متزايد ، وغياب طويل فلم تجدها ولم تعد تسمع همسها ، وصوتها الهادئ يتخلل السحاب ، ويقرع أجراس قلبي كأنه وحي أو إلهام . 
غابت عني الكلمات التي كانت تلهمني إياها ، وانقطع عني نهر المعاني الذي كنت أشرب من نقائه وصفائه . 

نعم لم أعد أراها أو أسمع همسها ، أو أجد ريحها مع نسيم الصبا أو نسمة الوادي ، ولم أعد أجد عبيرها مع نسمة الليل الباردة ، ولم أعد أر صورتها في وجه البدر أو على صفحة القمر ، لم أعد أر خيالها على التلال ، والهضاب ، لم أعد أسمع خشخشة قدميها بين خشاش الأرض تحت الأشجار ، ولا أراها تداعب الأزهار بيديها وتشتمها ، لم اعد أرها تحدق وتمعن النظر إلي كما تصورتها وتخيلتها وكما تمنيتها . 
لم أعد أقرأ كلماتها وما عاد للغوص في بحر معانيها من سبيل ، فقد اختفت وانقطعت عني منذو فترة ، ورمتني بالهجر ، وقتلتني بالجفاء وأهلكتني بالبعاد . 
حتى كلماتي لم تعد تلك الكلمات والمعاني خبا بريقها واختفى لمعانها ، فلم أعد أرغب في شيء بعدها ، حتى  القلم هجرته حتى هذه اللحظة يبدو أنني سامنحه إجازة أبدية وأعفيه من أزيز الكلمات وتركيب العبارات . 
ليت شعري لمه خلي اليوم اعتذر ، ولمه هذا الصد والهجر ؟ 
ترى هل قصرت في حبها ؟ 
هل أخللت بشيء من شروط الحب ؟ 
أتمنى أنها تقرأ كلماتي لتعلم من خلالها معاناتي . 
من أجلها جعلت المالكية مذهبي ، وتركت جميع المذاهب . 
عليك يا ناقض لتلك العهود سلام من وافي عهوده . 
لقد رحلت وتركتني أعوم في بحر عميق من حبها . 
رحلت وتركتني أجري خلف سرابها . وأسهر الليل لعلي أرى في صفحة القمر صورتها . 
أواستنشق مع نسمة الليل عبيرها وشذاها ، إنني كما قالت تلك السيدة الفاضلة .. أنام وما بي من نوم ، وأسهر وما بي من سهر في تناقض عجيب .. أنام لعل سنة من النوم تأتيني على أمل أن يزورني طيفها ، وأسهر  على أمل أن أجد في نسمة الليل عبيرها ورائحتها .

لقد رحلت .. لقد رحلت .. لقد رحلت . ورحل قلبي معها ، وهاجرت سعادتي إلى مهجرها ، فروحي تبحث عن روحها ، وقلبي يسير في ركابها ، وسعادتي تركت كل شيء واستقرت في مهجرها . 
ولكن أبلغوها أنني ما زلت أحبها وسأظل أحبها .. 
أعتذر منك أخي القارئ إن كان التعبير قد خانني ، فالشوق قد أعياني .  

الجمعة، يونيو 18، 2010

( همس ) السراب

تلك هي القصة التي لم أستطع أن أختمها ، وتماديت فيها صفحات عديدة ، بلغت مايقارب الاثنتي عشرة صفحة بوجهين كاملين ولا زال حبلها مسترسلاً بيدي  وقلمي يرتعد بين أصابعي وتئز من ريشته  صفحاتي ، ولم تنطوي سجلاتي لأنني كلما أردت أن أبحث عن خاتمة لها وجدت الآفاق تتسع أمامي والطرقات سالكة ، والكلمات منهمرة علي من ينابيعها ، فتبتعد كلمات الختام وتتوارى حروف الوداع ، وتأتي كلمات أخرى فتجبرني على الاستمرار والاسترسال في التدوين . 

لا أدري هل هو الحديث عن السراب تكون خاتمته كالسراب لا وجود لها فيظل الشارح يتكلم والمدون يفتح صفحات ويطوي أخرى ، والراكض خلفه يجري دون توقف وهو أمامه متوقفاً تارة ومبتعداً  كلما اقترب منه ، فيراه بقيعة أخرى وهو يجري خلفه عله يحظى منه بلمسة فلما وصل إليه لم يجده شيئاً ، فأطلق نظرة الحيرة واليأس فإذا به يراه في أفق آخر . 

أم أن الحديث عما يشبه السراب هو ضرب من الجنون ، أو أمر من المستحيل تتوالى فيه الكلمات وتهفو إليه في محاولة يائسة للإلمام به والإتيان على كل جوانبه ونواحيه ، فما تلبث أن تقبع عاجزة حائرة تحت أسواره ولم تستطع أن تطوي صفحاته أو توقف سيل معانيها المتدفق بقوة واوابلها المنهمر بغزارة فتظل تسير بجانب السور بحثاً عن نهاية للحديث . 

بل هي حقيقة أتت لي من السراب وتبلج عنها وهجه المتبخر في صحراء المستحيل ، فحدثت معجزات لم تحدث إذ تكون من السراب حقيقة ، وولد المستحيل شيئاً ممكنا في التحقيق ، فاختفت أسطورة السراب عندما أصبحت تنجب الملموس وتهادى المستحيل عندما تمخض عن أمر ممكن الحدوث . 
سطعت شمسها منتصف الصحراء ومن قلب ذلك السراب المتوهج ، فأخذت في البزوغ شيئاً فشيئاً حتى علت في كبد السماء ثم استوت فألقت بضيائها على أرضي المتعطشة لدفئها وحرارتها ، فوقعت تلك الأشعة على أرض باردة فتعانقت حرارة الشمس مع برودة الأرض وامتزجت وأخذت حرارة الشمس من البرودة نصيباً وأخذت الأرض من حرارة الشمس نصيباً فتحولت إلى دفء تصاعدت منه أبخرة الضباب فزحفت من القيعان والوديان ونفضت عنها التلال والهضاب فانتشر في السماء وكسى الأرض وتوج قمم الجبال وحجب صفحة الشمس بحلة بيضاء كما تحجب العروس وجهها في ليلة زفافها . 

عجباً لبعض الحوادث عندما تبدأ بشي من الغرابة ، وتفصح عنها  (مشاعر)  الغضب وملامح الاستهجان ، كانت في دائرة الضوء تتلقى وابلاً من الأسئلة ، التي تستهدف جمع الكثير من المعلومات والحصول على شيء مما تكنه بعض النفوس المريضة التي تسعى إلى أن تحظى بسر مكتوم تدلي به على غفلة أو بحسن نية ، وأنا أتابع ذلك وأحقق في تلك الترهات ، وأتبين الأنفس من خلالها حتى علمت الغاية من بعضها بل من أكثرها فدخلت في تلك الدائرة ولكن ليس سائلاً كما يفعل هؤلاء ، فقلت لها كلمتي ( ابتعدي عن التقصي ) لما رأيت من شفافيتها وبراءة سريرتها وسلامة طويتها ، فأخذ الحديث بيننا يكبر وهي ترد على بحالة من الغضب ، لعله من أسلوبي الذي لم يسبق لها أن عرفته ، ومن تلك الدائرة انطلقت حلقاتنا تدور في فلك الحب وتبحث عن مخرج لتنطلق منه إلى آفاق العشق وتخرج إلى فسحات الحياة ، ولكنها لم تكن البداية بالنسبة لي لأنني كنت قد دخلت في ذالك المجتمع وتجولت فيه وتحدثت مع ناسه وأهله ولكنني لم أجد ما يلفت نظري أو ما يشبع ذائقتي الأدبية أو يرقى إلى ما لدي ، ولا أقول هذا من باب التعالي أو التفاخر أو الاحتقار للغير ولكنها الحقيقة التي لابد منها ، وليس لأنهم ليس لديهم معرفة ،ولكن ربما أنهم لم يخلصوا أو يحاولوا الاستفادة مما لديهم بقدر الإمكان ، فلما أو أشكت على الرحيل إذا لاحت لي كلماتها وانطلقت في سماء الإبداع عباراتها فرأيت شيئاً مختلفاً تماماً عما تعودت عليه هناك ، ووجدت أنها بحر زاخر ونهر جار وينبوع عذب ، ومعان أصيلة فريدة ، جعلتني أشعر أنني أعيش في عصور سيادة اللغة والمنطق . 

لم تنته القصة بعد ولكنني أكتفي بهذا القدر الآن وسأحاول الإكمال فيما بعد إن شاء الله تعالى .   


شارك

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More