قوة الكلمة وإحكامها ومتانتها كأنها صفوان صلد تضرب القلب وتأخذ بمجاميعه وتجره من تلابيبه ، وهي صامدة أمام العوامل والتغيرات ، كلما تقادم عهدها زادت قوتها ، وكلما قرأتها زاد توهجها وصفاؤها .
عذوبة غير مسبوقة تجعل القارئ يعيد قراءتها مرات ومرات وكلما قرأها عاد إليها من جديد وكأنه لم يقرأها قط أو يوهم نفسه بأنه لم يقرأها حتى يصوغ لنفسه العودة لقراءتها ، ملتذذاً متذوقاً ما فيها من شهد المعاني والكلم ، والصياغة المتقنة والتركيب المحكم ، تناسق عجيب بين الحروف والكلمات والمعاني كأنها بنيان مرصوص بلبنات متساوية في الطول والعرض والشكل واللون ، فتكاتفت مع بعضها وتماسكت فشكلت بنياناً متيناً وجميلاً محكماً .
إبداع لم يسبقها إليه أحد وفن أوجدته من العدم ، وأحدثته كمدرسة يصدر عنها النوابغ والجهابذة من الأدباء ، ولا يسعهم إلا أن يرشفوا ويثملوا بما في تلك الكلمات من جمال وروعة ويتجبروا بما فيها من جبروت ، ويسيطروا بما فيها من سطوة ، ويبطشوا بما فيها من قوة . وهيمنة كلية على الفكر والمنطق حتى يكاد أن يتلعثم عندها اللسان ، ويخرس المنطق . ويرتمي بين قضبانها اللب ويهيم بها القلب .
تلك هي الهيئة التي رايت عليها تلك الكلمات المترابطة في منظومة متناسقة من المعاني والحروف ، وغنية بألفاظها قوية في دلالتها ، وأعتذر منكِ سيدتي إذ لم أفِ كلماتكِ حقها من الوصف والتمجيد ، فقد ملكتني حتى أخرستني ، وسلبتني منطقي وبياني وتواضعت عندها حروفي وكلماتي ، فلله دركِ من كاتبة مبدعة ، ومؤلفة بارعة .
قرأتها مرات ومرات أذهب ثم أعود إليها متمرجحاً بين بين الصفحات ، ومترنحاً بين الكلمات ، منبهراً من رزانة الحرورف وصلابة الكلمات وبراءتها وعفتها وعذوبة المنطق ، معجباً بقوة معانيها وشموليتها وجزالتها .
كأنها الشمس في وضوحها ، وشموليتها عندما تكتسح خط المشارق عندما مُحِيَتْ آية الليل وجُعِلَتْ آيةُ النهار مبصرة ، فتزيل عتمة الليل وتضيء جميع أرجاء الكون مكتسحة كل الظلال .
حارقة للزيف والباطل ، واضحة الدرب والجادة ، باردة على الفكر المتقد والمنطق السليم ، فيجد فيها دواءه وشفاءه ، وإطفاء ناره ، قاتلة لمن لم يدرك كنهها ، أو لم يستوعب مقاصدها ، منقذة مشبعة ، تروي العطش وتزيله ، وتطعم كل ذي مسغبة .
لله دركِ وتبارك ربك ، وأعيذك بالله من شر كل نفس أو عين حاسد ، فكم تعجبني كلماتك ، وتأسرني معانيك وتذهلني طريقتكِ ، التي أجد فيها الأصالة العربية والفصاحة اللغوية ، وطالما أعجبتُ بها وافتتنتُ ، فانحني إجلالاً لجمال وروعة حرفك وسحر بيانك وألفاظك . فسيري على منهاجكِ وحصني نفسك قبل ذلك بالذكر والدعاء .







